مكتبتي/ أحمد فال الدين


مما لا يعرفه كثير منكم –أحبتي- أن صاحبكم هذا لا يستطيع كتابة سطر في بيته. فلا آخذ العدة وأضع الجهاز وأفتح الوورد إلا وجدت أصابعي كالّة، وذهني شادرا وأفكاري مشتتة. فقد تعودتُ –لسبب أجهله- أن أكتب حيث الناس، وفي مكان عام نابض بالحياة.
وخلال زيارتي الأحدث لإسطنبول طلبت من صديقي عبد القدوس الهاشمي أن نذهب لمكان نعمل فيه. فأخذني إلى مكتبة إسطنبولية جميلة هادئة. ثم بدأ هو العمل. أما صاحبكم فنفر من الهدوء، وضاق ذرعا بالأنفاس المُنكتمة والشفاه الخرس. ولمح مكانا خاصا بالتمدد فاستيقظتْ روحه الموريتانية فتمدّد. ثم ضاق ذرعا بالتمدد والهدوء فتوسل لمضيفه أن يأخذه لأقرب مقهى يسمع فيه نبض الحياة.
وقد نفث النافث في رُوعي مرة أن سبب ذلك وجود الأطفال وصخبهم. فجاءت الأيام وسكنت وحيدا في طرف الدوحة داخل بيت ليس فيه إلا كتبي، وصوت الصمت. فما كتبت فيه حرفا حولا كَريتا. بل كنت أستيقظ فزعا لأهرع إلى كاريبو الواقع بمحطة الدحيل لأقرأ وأكتب.
ثم جاءت كورونا.
أغلقت الدوحة مقاهيها وأماكنها العامة فاضطررت للجلوس في بيتي. وكان العزاء في اللجوء لمكتبتي المتواضعة. وجدتني أعود لها متأملا أكثر من ذي قبل. فقد كانت علاقتي بها لا تتجاوز الوقوف أمامها واختطاف الكتاب الذي أريد، ثم أولي مُهرولا.
عدت لها هذه الأيام فوجدت حياة الكتب وشخصياتها كحياة الناس. فلك مع كل واحد منها تاريخ ومواقف وذكريات. ثم إن بعض الكتب يشبهون أصدقاءك الذين لا تمل مجالستههم ولا تذبل صداقاتهم. فكلما جالستهم ازددت علما وهمة ونبلا وتنبّلا. وبعض الكتب تشبه بعض الثقلاء، ممن تجالسهم مرة، ثم تحتاج أياما لتتعافى من آثار تلك الجلسة.
وجدتني طبقيا جدا في مكتبتي.
الطبقة الأولى
من هذه الطبقة كتب أبي عثمان الجاحظ، وأبي حيان التوحيدي. فهذا كتاب البيان والتبيين. وهذه النسخة منه مشتراة من شارع بالدار البيضاء عام 2014. كنت وصديقي (ع. ش.) نسير فرأيتها على قارعة الطريق فما رضيت تجاوز أبي عثمان لَقىً على شارع عام لا يلتفت إليه ولا يفاتش.
وهذه نسخة من “الوسيط في تراجم أدباء شنقيط” مشتراة من شركة الكتب الإسلامية بنواكشوط.
وهذا كتاب (Peace to End All Peace) وهو كتاب مرجعي عن لحظات تشكيل منطقتنا على أيدي الإنكليز والفرنسيين بداية القرن العشرين. وقد اشترته مرتين. أولاهما عام 2004 من مكتبة (Barnes and Noble) في سانت لويس، ثم نزلتْ جائحة بتلك النسخة. وهذه النسخة التي معي الآن مشتراة من محل للكتب المستخدمة بنمطقة ملفيل (Melville) بجوهانيزبيرغ عام 2009.
تتألف هذه الطبقة المُدلعة والمواطنون ذوو المواطنة الكاملة من الكتب التي تجمع خاصيتين: الأصالة في بابها، ودخولها في باب اهتماماتي.
فإذا حاز الكتاب هاتين الخصليتن دلع، ونُفض غباره، وتُفُقد دوما، ووضع في الكراتين أولا عند كل كل انتقال لبيت جديد، وفتحت عنه الكراتين أولا عند النزول. بل ربما أشرك هذه الطبقةَ سياحاتي فيرافقني أحدها متقلبا في الهواء، متنفسا أجواء قارات بعيدة.
الطبقة الثانية
هذه طبقة المراجع. وهي طبقة أصيلة مصونة الكرامة تامة المواطنة تتسم بالزماتة والأصالة. من أعيانها بعض التفاسير وكتب الفقه ومعجم الأدباء وتاريخ الفكر الفلسفي لسامي النشار، والموسوعة الفلسفية لعبد الرحمن بدوي وتاريخ الطبري وبعض الكتب الغربي الكلاسكية. هؤلاء يُتفقدون ويستشارون وربما جُردوا جردا. ولا أصدر عن رأي دون دعوتهم من مخادعهم لاستشارتهم. فلا يجد الغبار إليهم سبيلا.
كما تنتمي القواميس لهذه الطبقة. فأنا مهوس بالقواميس لدرجة أني قد أشتري قاموسا من لغة لا أعرفها. فعندي قاموس برتغالي وعِبْري مثلا. فكيف باللغات التي أتطفل عليها كالفارسية والفرنسية.
الطبقة الثالثة
هذه طبقة تنتمي لأعراق فكرية مختلفة لا يجمع بينها رحم ماس، ولا يقيدها باب من المعرفة محكم. فهي أمشاج من الكتب المهمة أو المتوسطة. فيها من الكتب المهمة مؤلفات إدوارد سعيد وهانتغتون وتلميذه، وكتب الجابري وغريمُه، والسكران –فرج الله كربه- وأبي يعرب المرزوقي والشنقيطي وعزمي بشارة.
هذ كتب أحبها وأقرؤها وأعود لها عند الحاجة. لكن الواحد منها قد يختفي من مكانه فلا أذكره ولا أسأل عنه بل أظنه ليس عندي. حتى إذا ما حانت لحظة الاستعانة به قلبت المكتبة ظهرا لبطن حتى أستخرجه. فأجدد به عهدا ويُجدد بي آخر، ويسلم من غياهب الإهمال، ويعود مكينا متقدما في الرفوفَ يرفضّ عرقا سعادةً.
الطبقة الرابعة
هذه طبقة مُحدَثة النعمة قليلة العدد دخيلة على المكتبة. وهي أشبه بالمهاجرين الجُدُد في المدن العنصرية. فهي طبقة مقموعة تقوم بدور وظيفي، وتظل جالسة بأدب في ركن قصي. فما هي بالمراجع التي يُستغاث بها، وليست بالكتب التي تعاد قراءتها. بل كتب اشتريتْ للمتعة أو العبرة أو الاطلاع السريع. تفقد قيمتها لحظة الانتهاء من قراءتها.
الطبقة الخامسة
تتكون هذه الطبقة من كتب عديمة الفائدة. كتب خُدعتُ بعناوينها أو موضوعاتها فاشتريتُها عجِلا ثم تبينتُ ركاكتها وبان لي عوارها عند التثبت. وهذه طبقة لا تستقر في مكتبي عادة. فأتبرع بها للمكتبات أو أتركها في أحد المنازل عند خروجي منها.
وإن حالف الحظ واحدا من هذه الطبقة وبقي عندي فإنه يعيش عيشة الرجاز في جنة أبي العلاء. حيث منحهم بيوتا غير مسقوفة في الجنة.

ولكل من تلك الطبقات دخلاء يصعب حصرهم.

زر الذهاب إلى الأعلى