تفشى كرونا: محاكاة نموذج رياضي على الحالة الموريتانية (البنية الصحية الهشة طوق نجاة)

لايتناول هذا المقال الحالة الطبية للمصابين ولا الناحية البيلوجية للوباء من حيث خصائصه والابحاث المستجدة حول إيجاد لقاح مناسب، ولكنه يعرض بالدراسة للنظريات المقترحة لدراسة سلوك هذا الوباء وسرعة تفشيه ومجاولات التحكم فى سرعة الانتشار تلك.

منذ أعلنت منظمة الصحة العالمية وباء كرونا جائحة عالمية، وخبراء نمذجة الأوبئة والمستشارون العلميون للحكومات يفاضلون بين نظريتين رياضيتين للتعامل مع انتشار الوباء.

وقبل أن نعرض لهذين النموذجين نستعرض بعض المعطيات الاحصائية الشحيحة المتاحة حول انتشار الوباء.

تشير البيانات المتاحة حول تكاثر أعداد المصابين فى الدول التى أصبحت بؤرا للانتشار إلى أن عدوى الفيروس تنتشر بسرعة تكعيبية فائقة، هذا المنحى التصاعدي سيؤول فى الغالب إلى الحالة الأسية الشبيهة عند الرياضيين بالنموذج البدائي للانفجار المالتوزي.

المعدل الذى يكون الوباء قابلا للانتشار به بين محتملى الإصابة يطلق عليه اسم عدد إعادة الإنتاج الأساسي، هذا العدد حدده رياضيون من كوريا الجنوبية فى حدود 2.3 بمعنى أن كل مصاب بالفيروس سينقله لـ2.3 أشخاص آخرين، وهو رقم قد تتجاوزه العتبة الوبائية بقليل، وتظهر المحاكات الرقمية لانتشار هذا الفيروس فى تجمع لأربعة آلاف شخص لا يتمتعون بأي لقاح أو عزل صحي، يظهر عدد وفيات فى حدود 91 شخصا.

رغم انتشار الفيروس بهذا الشكل المفزع تبقى نسب الوفيات شبه محصورة فى كبار السن وفى الذين لديهم أمراض مزمنة، حيث تشير الاحصائيات إلى أن نسبة الوفيات من بين المصابين من الفئات العمرية الدنيا تكاد تكون معدومة، لتسجل أكبر نسبة في حدود 15 في المائة للذين تتجاوز أعمارهم الثمانين، مقابل 0.2 فى المائة لمن هم تحت العشرين.
المصدر: المركز الصيني للتوقعات والتحكم فى الأوبئة
المصدر: المركز الصيني للتوقعات والتحكم فى الأوبئة

الطرحان اللذان يحتدم النقاش والمفاضلة العلمية بينهما هما طرحان إنجليزيان بامتياز نعرض لهما تباعا

النموذج اللوجيستيكي
لا يقوم هذا النموذج على فكرة القضاء على الوباء ولا حتى تحجيم أعداد المصابين به بشكل كبير ولكنه يقوم على تسطيح المنحنى البياني المعبر عن انتشار الوباء وضغطه ليكون تحت مستوى الطاقة الاستيعابية للنظام الصحي، بمعنى تفويج العدوى زمنيا.

هذا الضغط سيسمح للبنية الصحية للمستشفيات بالتعامل مع الوضع وسيراكم خبرة لدى الطاقم الطبي وشبه الطبي فى التعاطى مع الحالات، ولكنه فى المقابل يزيد فى أمد الجائحة زمنيا وبالتالى يزيد الكلفة الاقتصادية ويجعل من شبه المستحيل التعامل مع عودة محتملة لانتشار العدوى فى الشتاء القادم.

هذا المبدأ ينطلق فى الأساس من التسليم بأننا لا نستطيع إيقاف الفيروس المستجد، لذلك نبطئ انتشاره قدر المستطاع، ونمنع حدوث ذروة هائلة في الحالات المصابة.

على أن محاولة السير على هذه الاستراتيجية أو هذا النموذج الموجود أصلا فى أدبيات نماذج إنتشار الأوبئة، والذي يقترح اليوم بصفة تناسب المتاح من المعطيات عن طبيعة العدوى، هذا السير يتطلب رصد إمكانات هائلة من حيث البنية الصحية وعددا معتبرا من الأسرة فى غرف العناية الصحية.

عالم الوبائيات نيل فيركيسون من “لندن كوليج امبريال” وفريقه تمت دعوتهم من قبل عديد الحكومات الأوروبية لدارسة السيناريوهات المحتملة لانتشار الفيروس، وقد اعتمد على عديد الدراسات حول انتشار جوائح الانفلونزا وكذا تقييم جدوائية مختلف الإجراءات الاحترازية كغلق المدارس والحجر الاجتماعي وحتى إغلاق الحدود.

وفى فرنسا يتوقع المجلس العلمي الاستشاري للرئيس ماكروه والذي يشتغل على النموذج الوبائي الذى أعده نيل فيركسون، يتوقع أن يتسبب انتشار و باء كرونا كوفيد 19 في وفاة ما بين 300000 إلى 500000 شخص فى حال غياب أي إجراء صحي وفى هذه الحالة ستكون الحاجة ملحة لـ30000 إلى 100000 سرير إنعاش لاستقبال المصابين عند ما يصل الانتشار مداه.

هناك دائما هامش للخطأ في ما يتعلق بنمذجة سلوك الأوبئة ولكن حتى لو نقصنا عدد الضحايا هذا إلى النصف أو الثلث أو حتى الربع فإن العدد يبقى كارثيا بكل المقاييس.

عالم الوبائيات من معهد باستور الذى قدم النموذج أمام الرئيس ماكروه قال أمس لصحيفة لموند إنه إذا كان هناك حالة سيكون سعيد لو جاءت نتائجها مخالفة للتوقعات فهي هذه الحال.

طاقة استيعاب وحدات الإنعاش الفرنسية هي 5000 سرير بالاضافة الى 7364 سرير عناية مركزة حسب مدير الصحة الفرنسي، وفى ظل معطيات ميدانية كهذه تبدو عملية ضغط سرعة انتشار الوباء لتناسب الطاقة الاستيعابية عملا صعبا للغاية ولكنه خيار واقعي يحاول أن لا يخرج الأمر عن السيطرة.

المناعة الجماعية أو مناعة القطيع
يقود دعاة هذا النموذج عالم وبائيات انجليزي آخر هو باتريك فالانس مستشار رئيس الوزراء البريطاني والذي أشار عليه بالفكرة قبل أن يخرج للشعب البريطاني داعيا إياهم للاستعداد لفقد الكثيرين، على أنه يبدو اليوم وكأنه يتراجع عن المبدأ تحت ضغط الرأي العام وتهديد الدول الأوربية له بالحصار.

تقوم فكرة فلانس على أنه قد فات الأوان لوقف انتشار الفيروس ببريطانيا وأنها لا تستطيع فى ظل الإمكانيات الحالية العمل على إخماد انتشاره وأنه حتى لو كان ذلك ممكنا فإنه لن يتم إلا على مدى شهور عديدة وبضحايا وتكاليف مالية باهظة تجعل من المستحيل مكافحة عودة محتملة لنشاط الفيروس مع الشتاء القادم.

يخمن فلانس بالمقابل أن جعل الفيروس ينتشر بشكل تلقائي بين السكان سيمكنهم من تكوين مناعة جماعية تجنب المجتمع أي عودة محتملة للفيروس. غير أن هذه المناعة الجماعية تحتاج لإصابة نحو ستين بالمائة من مجمل السكان وهو انتشار سيؤدى لوفيات فى حدود ستة بالمائة حسب النموذج الذى يقترحه فلانس تبعا لتركيبة السكان و معدل الأعمار.

إلى كتابة هذه السطور يبدو أن الحكومة البريطانية أحجمت ولو جزئيا عن المضي قدما فى هذا الطرح فقد علقت المدارس بعد ظهر اليوم، وهو ما عبرت عنه رسالة موقعة من 245 عالماً بريطانيًّا، تطالب بإجراءات أكثر صرامة لمنع التجمعات البشرية.

الحالة الموريتانية
بالنظر للحالة الموريتانية يبدو من المعطيات التى تقدمها الحكومة أن الأوان لم يفت بعد لحسن الحظ لوقف انتشار الوباء، وينطلق هذا الحكم من فرضية أنه عدى الحالتين المعلن عنهما رسميا ليست هناك حالات غير مكتشفة قد تسبب بؤرا للعدوى، وفى ظل وضع كهذا يحسن بالسلطات بالموازاة مع حملة التوعية والتحسيس، إغلاق كل نقاط العبور على الحدود وتحمل تبعات هذا القرار ولو جزئيا للأسابيع المقبلة، وعلى هذا الأساس ستكون الأيام القليلة المقبلة حاسمة فى معرفة مدى ما إذا كان بإمكاننا البقاء بمعزل عن هذا الانتشار الكاسح.

فى حال حدوث الأسوء وانتشار الوباء بشكل متسارع بين الموريتانيين سيكون على المسؤولين اختيار صعب يزيده التأجيل حساسية بين الطرحين الآنفين.

النموذج اللوجيستيكي
لا يبدو هذا الحل ممكنا فى الحالة الموريتانية، فلا توفر البنية التحتية الاستشفائية مستوى لوجيستيكيا يمكن تسطيح الانتشار تحته… عدد الأسرة فى الانعاش للأسف ضئيل للغاية والعيادات الخاصة لا يمكن الاعتماد عليها نهائيا لأنها لا تتوفر على غرف إنعاش ولا عناية مركزة وحتى الكادر البشري قليل لدرجة لن تسمح بالمناورة.

المناعة الجماعية
على الرغم من أن هذا السيناريو يبدو كارثيا ومجهول العواقب بالقياس لمحاكاته على دول غربية كبريطانيا والولايات المتحدة، إلا ان المعطيات الاحصائية والديمغرافية لموريتانيا ربما تجعله خيارا معقولا ومحدود العواقب.

يأخذ هذا الإستنتاج بالإعتبار معطيات ديمغرافية تصب فى صالحنا، ترتكز هذه المعطيات فى الأساس على أن المجتمع الموريتاني مجتمع شاب.

يتوقع نيل فيركسون من خلال المحاكاة الرقمية أن ترك الفيروس يتفشى دون تدخل سيقود لعدد وفيات يفوق 510000 شخص فى بريطانيا بينما يتجاوز هذا العدد 2.2 مليون فى الولايات المتحدة على أن تصل الوفيات ذروتها شهر مايو لتبدأ تدريجيا بالتناقص بعدها.

ولكن الحقيقة هي أن هذه النسب مرتفعة جدا بسبب جودة النظام الصحي فى هذه البلدان وارتفاع معدلات الأعمار بشكل جعل هذه المجتمعات تعيش شيخوخة لا يمكن تجاهلها. فى حين تشير الاسقاطات الاحصائية الموريتانية لعام 2020 والتي نشرها المكتب الوطني للاحصاء إلى أننا أمام مجتمع شاب لا تتعدى نسبة الذين يتجاوزون سن الخمسين فيه حدود 11.07 فى المائة بمعنى أن خطر الوفيات الحقيقي سيكون محصورا فى عشر السكان تقريبا، بينما ستكون نسبة تفوق 61.34 فى المائة من السكان خارج دائرة الخطر بشكل شبه تام تقريبا، هي نسبة الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة.
المصدر: منظمة الصحة العالمية
المصدر: منظمة الصحة العالمية

هكذا للمفارقة تكون عوامل كارثية، كضعف التغطية الصحية وهشاشة البنية التحتية هي طوق النجاة من هذا الوباء فى حال وقوع الأسوء وتفشى الفيروس بشكل متسارع.

عوامل ديمغرافية أخرى ستساعد على الحد من الخسائر البشرية بشكل كبير، تتركز تلك العوامل أساسا فى تعداد السكان الضئيل نسبيا بالمقارنة مع دول مجاورة وهو أمر سيجعل الوصول إلى عتبة التفشى الضرورية نظريا لنكتسب مناعة جماعية، يجعل هذا الوصول أسرع زمنيا من حالة يكون تعداد السكان فيها يتجاوز الأربعين مليون مثلا.

فى ظل وضع كهذا يمكن التدخل فى نموذج المناعة الجماعية بشكل يقلل الأضرار الى الحد الأدنى (لا أريد أن أعطي ارقاما تقريبية مخيفة) يكون ذلك الحد من خلال تخصيص الطاقة الاستيعابية للمراكز الصحية والتى هي ضئيلة أصلا لنفكر فى استفادة الجميع منها، تخصيصها لعزل كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة وتحييدهم ما أمكن عن انتشار الفيروس (حتى الذين لم تظهر عليهم أعراض المرض بعد) هذا العزل الصارم إن نفذ سيجعلك تحجم نسبة العشر المعرضة لخطر الوفات إلى أقل قدر ممكن وهو أمر تساعد فى تنفيذه الكثافة السكانية الموريتانية التي تعد من أخفض نسب الكثافة السكانية حول العالم.

خلاصات
اعتمادا على المعلومات الرسمية لم يفت الوقت بعد لوقف انتشار الفيروس محليا كما هو الحال فى عديد الدول. ولكن هذا الوقف لا يتم إلا بالصرامة فى عزل البلد تماما عن العالم وتحمل تبعات ذلك قدر الإمكان، وأن يكون الموقف الرسمي مبادرا في إجراءات الصرامة وليس تابعا لما يفعله الآخرون.

في حال وقوع الأسوأ، لن يكون مجديا العمل على تسطيح سرعة الانتشار وتفويجها زمنيا لأن الإمكانات الصحية للبلد لا توفر مستوى مقبولا يمكن العمل على محاذاته والمستشفيات الخاصة لا يمكن للأسف الاعتماد عليها في هذا المجال، ويكون التفكير فى حل كهذا دفنا للرأس في التراب.

لن يكون هناك خيار غير المراهنة على المناعة الجماعية، ولكن يمكن العمل على التحكم فى هذا النموذج نسبيا من خلال عزل المسنين وتحييدهم إزاء الانتشار، وفى حالة كهذه ستكون العوامل الديمغرافية عاملا مساعدا فى تقليل الخسائر إلى أقصى حد ممكن، وكذا تقليص المدة الكافية لكسب مناعة مجتمعية نتفادى معها عودة محتملة لذروة التفشى الشتاء القادم، ولكن هذا الإجراء لن يكون مجديا إلا إذا قيم به استباقيا وعلى مراحل قبل أن يصل التفشى مداه.

الكاتب: الخميني مولاي على أستاذ بجامعة نواكشوط، مختص بالنمذجة الرياضية لانتشار الاوبئة

مراجع
Estimating the reproductive number and the outbreak size of Novel Coronavirus disease (COVID-19) using mathematical model in Republic of Korea. Choi SC, Ki M Epidemiol Health. 2020 Mar 12:e2020011. doi: 10.4178/epih.e2020011. [Epub ahead of print].

Why outbreaks like coronavirus spread exponentially and how to flatten the curve
By Harry stevens washingtonpost health March 14 2020.

Au Maroc, le coronavirus ne peut plus être stoppé, mais on peut encore sauver des vies
Youssef Oulhote
, docteur en épidémiologie et biostatistique, enseignant-chercheur à l’Université du Massachusetts et à l’École de Santé Publique de l’Université de Harvard (USA)
Recensement Général de la Population et de l’Habitat (RGPH), 2013 Projection démographiques Rapport ONS.

زر الذهاب إلى الأعلى