الشيخ الددو يرد على المعترضين على فتواه حول صلاة الجمعة (وثيقة)

بسم الله الرحم الرحيم

مناقشات لردود بعض العلماء الفضلاء التي تفضلوا علينا بها

الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد سيّد الأوّلين والآخرين وعلى آله وصحابته أجمعين. 

وبعد فقد وقفت على عددٍ من الاعتراضات والردود والاستشكالات الواردة على فتوى كنت أفتيتُ بها في الأسبوع الماضي ردّا على أسئلة كثيرة وردت عليّ حول إقامة الجمعة في ظلّ الظروف الحالية وما فرضته من إغلاق المساجد وتعطيلها، وقد قرأتُ ردودا لعدد من العلماء الأجلاء والدكاترة الفضلاء أثابهم الله وتقبّل منهم صالح القول والعمل.

وما كان من عادتي أن أتعقّب الرُّدود عليّ، فمذهبي أن أبيِّنَ للناس ما أراه حقّا فإن كان صوابا فمن فضل الله وتوفيقه، وإن كان خطأ فمنّي، ومن الله أرجو غفران الزلل وإقامةَ الأوَد، ولمن كان من أهل العلم ورأى في قولي خطأ أن يبيّن الخطأ، وله من الله تعالى الأجرُ والمثوبة، وإنّي لأعلم أنّ الفتاوى الشفويّة – ولا سيما إن كانت على جناح السفر والانشغال – لا تسلم من خطإ في العزو ووهم في التخريج كما حصل معي في الفتوى الأخيرة، فقد وقع مني خطأ في عزو الحديث للبخاريّ وأنا في السيارة؛ حيث التبس عليَّ حديث كعب ابن مالك و حديث ابن عباس الذي في صحيح البخاري وهو : “إن أول جمعة جُمعت بعد مسجد النبي صلى الله عليه و سلم في مسجد عبد القيس بجُواثى من البحرين”، وقد صحَّحت هذا الخطأ مباشرة بعد سماعه، ونُشِر التصحيح مكتوبا فلم يُرفَق بالتسجيل.

وتلخيص ما أفتيت به أنّ تعطيل المساجد من الجمعة والخمس والأذان في الوقت حرامٌ شرعا، وأنه يكفي في أداء الواجب الإمام ورجلان معه في الجمعة وغيرها من الصلوات سواء وأنّ من يسمع خطبة الجمعة والصلاة ممن لا يستطيع دخول المسجد يصحُّ اقتداؤه بالإمام و من لا يسمع ذلك و معه رجلان في بيته  يمكن أن يصلي بهما الجمعة و تجزئ بذلك.

ثمّ إنّه من واجبي أن أعرضَ بعض ما أسّستُ عليه الفتوى بإقامة الجمعة لثلاثة فأكثر في غير المسجد للضرورة، زيادة في البيان وإزالة لبعض اللبس.

أوّلا: خصوصيّة النازلة محلّ النزاع: 

إن هذه النازلة جديدةٌ، ولا نعلمُ نظائر لها حصلت في سالف العهد، وهي تقتضي النظر والاجتهاد، فالبحث عن حكمها بعينها في كتب المتقدّمين لا يعود على ذويه بطائل، وقد قال إمام الحرمين: “لست أحاذر إثباتَ حكم لم يدوِّنه الفقهاء، ولم يتعرض له العلماء، فإن معظم مضمون هذا الكتاب [يعني الغياثي] لا يُلفَى مدوَّنا في كتاب، ولا مضمَّنا لباب، ومتى انتهى مساق الكلام إلى أحكام نظمها أقوام، أحلتها على أربابها وعزيتها إلى كتابها.

ولكني لا أبتدع، ولا أخترع شيئا، بل ألاحظ وضع الشرع، وأستثير معنى يناسب ما أراه وأتحراه، وهكذا سبيل التصرُّف في الوقائع المستجدة التي لا توجد فيها أجوبة العلماء معدة، وأصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، لم يجدوا في الكتاب والسنة إلا نصوصا معدودة وأحكاما محصورة محدودة، ثم حكموا في كل واقعة عنت، ولم يجاوزوا وضع الشرع، ولا تعدوا حدوده” [غياث الأمم ص: 266].

وقال الإمام القرافي: “ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تُجرِه على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده وأجره عليه، وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين” [الفروق: 1/ 177] وكلام أئمّتنا في هذا المعنى كثير.

فلا مناص في النوازل المتجددة من القول بما لم يسبق إليه القائلُ ممّا يوافق القواعد وتقوم عليه الأدلة، إلا إذا ثبت انتشار كورونا في عصر سابق بهذه الصورة و ثبت التعامل الرسمي معه بمثل ما حصل، وكان للعلماء فيه إجماعٌ، فحينئذ يكون النكير على من خرق الإجماع واردا.

ثانيا: من مقاصد الجمعة:

إنّ من أعظم المقاصد الشرعيّة في إقامة الجمعة ما يسمعه الناس فيها من الذكرى والموعظة الحسنة ممّا يرقِّق القلوب ويزكّي النفوس، ويرغِّب في الآخرة ويزهّد في الدنيا، وما تشتمل عليه الخُطبة من التعليم وبيان أركان الإيمان والحلال والحرام.. إلخ، ويؤخَذ ذلك من قوله جلّ وعلا: {فاسعوا إلى ذكر الله} والمراد بالذكر المذكور في الآية هو الخطبة بإجماع أهل التفسير؛ لأنه ليس بعد الأذان ذكر لله تعالى إلا الخطبة، وقوله صلى الله عليه وسلّم كما في مسلم من حديث أبي هريرة وابن عمر أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم  يقول على أعواد منبره: “لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين”، وفي أوسط الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم  قال: “ألا عسى أحد منكم أن يتخذ الضّبْنة من الغنم على رأس ميلين أو ثلاثة تأتي الجمعة فلا يشهدها ثلاثا فيطبع الله على قلبه”، وفي الباب أحاديث أخرى تفيد ما أشرت إليه، ولم يرد هذا التشديد في التخلّف عن صلاة أخرى غيرِ الجمعة، فأفاد ذلك خصوصيّتها بما فيها من الذكر والعلم والموعظة.

ويستفاد ذلك أيضا ممّا جاء عنه صلى الله عليه وسلّم في أحاديث أخرى صحيحة من أمره بالتبكير والاستماع، ونهيه عن الاشتغال بما يفيت الاستماع، وتحذيره الشديد من ذلك.. إلخ وجاء عنه صلى الله عليه وسلّم أنّه كان يقطع الخطبةَ انتظارا للداخل أن يسلّم من ركعتيه، وقد أذن صلى الله عليه وسلّم لمن شهد العيد أن لا يحضُر الجمعة؛ لحصول مقصود الاستماع للموعظة والذكر. 

وقد سبقني إلى بيان هذا المعنى الشيخ أحمد بن محمد بن الصدّيق الغماري رحمه الله تعالى، فقد ساق زهاء ستين دليلا على ذلك في رسالته الموسومة بـ”الحسبة على من جوّز صلاة الجمعة بلا خُطبة”، وذكر بعض ذلك في كتابه: “الإقناع بصحّة صلاة الجمعة في المنزل خلف المذياع”.

ولهذه الأمّة فضيلة ومزيّة بالجمعة، كما في حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد”.

وإقامة الجمعة بخطبتها وصلاتها من خصوصيات هذا اليوم التي تبرزُ بها فضيلته ومزيّته على غيره من الأيّام ومزيّة الأمّة به، فإذا تعذّرت إقامة الجمعة في المساجد، فإنّ الأمر بإحياء هذا اليوم وإقامة شعيرته وما فيها من ذكر وموعظة باقٍ، ويكون على قدر الاستطاعة، فإنّه صلى الله عليه وسلّم قال: “ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم” وإقامة الجمعة لكلّ ثلاثة تفي بالمقصد، والقول إنّ ذلك مخالف لما جرى عليه العمل صحيح، فنحن هنا إنّما نقول بمخالفة العمل للضرورة الواقعة، ولخصوص النازلة المستجِدَّة، فإن زالت الضرورة، أخذنا بما كان من تقييد الأدلّة المطلقة بالعمل.

ثالثا: اشتراط العدد والجامع في الجمعة:

ليس في اشتراط العدد ولا الجامع في الجمعة دليل يصحّ، فإن أوّل جمعة في الإسلام كانت في غير مسجد، كما في حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن كعبا “كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحَّم على أسعدَ بن زُرارة، فقلت له إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد قال: لأنه أول من جمّع بنا في هزم النَبيتِ من حَرّة بني بَياضةَ في نَقيع يقال له نقيع الخَضِمات قلت له كم كنتم يومئذ قال أربعون” والحديث خرّجه أحمد وأبو داود وابن ماجه.

والمكان الذي جمّعوا فيه ليس بمسجد فـ”النقيع” بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدَّة فإذا نضب الماء أنبت الكلأ، والمتبادرُ أنّ العلّة في تجميع أبي أمامة بهزم النبيت كونُه المكانَ المتوسِّط للناس؛ رفقا بهم،

وما ورد في الحديث من العدد (أربعون) ليس فيه ما يدل على أن من دون الأربعين لا تنعقد بهم الجمعة، فكونهم أربعين رجلا جاء اتّفاقا، والاستدلال به على اشتراط الأربعين مردودٌ بحديث جابر في انفضاض الناس للعير، وأنه لم يبق معه صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا، ويرِد عليه أيضا حديث الطبراني – وفي إسناده كلام – عن أبي مسعود الأنصاري قال: أول من قدم المدينة من المهاجرين: “مصعب بن عمير، وهو أول من جمَّع بها يوم الجمعة قبل أن يقدم النبيّ صلى الله عليه وسلم وهم اثنا عشر رجلا”، قال السيوطيّ مستدلّا للشافعيّة: “وأقوى ما رأيته للاختصاص بأربعين ما أخرجه الدارقطني في سننه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قضت السنة أنَّ في كل أربعين فما فوق ذلك جمعة” [اللمعة في خصائص الجمعة: ص: 21] وفي سنده عبد العزيز بن عبد الرحمن قال أحمد فيه: اضرب على أحاديثه، فإنها كذب أو موضوعة، وقال النسائي ليس بثقة، وقال الدارقطني: منكر الحديث وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، وقال البيهقي: هذا الحديث لا يحتج بمثله.. إلخ ما قال أهل الشأن فيه.

والحقّ أنه ليس في اشتراط عدد معيّنٍ في الجمعة شيءٌ يعتَدّ به، وقد أوصل ابن حجر في الفتح الخلاف فيه إلى خمسة عشر قولا لخّصها الشوكاني في نيل الأوطار، وبيّن ضعف مستندِها، ثمّ تعقّبها بقوله: 

“وأما اشتراط جمع كثير من دون تقيد بعدد مخصوص فمستنده أن الجمعة شعار وهو لا يحصل إلا بكثرة تغيظ أعداء المؤمنين، وفيه أن كونها شعارا لا يستلزم أن ينتفي وجوبها بانتفاء العدد الذي يحصل به ذلك، على أن الطلب لها من العباد كتابا وسنة مطلق على اعتبار الشعار فما الدليل على اعتباره، وكتابه صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير أن ينظر اليوم الذي يجهر فيه اليهود بالزبور فيجمع النساء والأبناء، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة تقربوا إلى الله تعالى بركعتين، كما أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس، غاية ما فيه أن ذلك سبب أصل المشروعية، وليس فيه أنه معتبر الوجوب فلا يصلح للتمسك به على اعتبار عدد يحصل به الشعار وإلا لزم قصر مشروعية الجمعة على بلد تشارك المسلمين في [سكناها] اليهود وأنه باطل […] وأما الاثنان فبانضمام أحدهما إلى الآخر يحصل الاجتماع وقد أطلق الشارع اسم الجماعة عليهما، فقال: الاثنان فما فوقهما جماعة، […] وقد انعقدت سائر الصلوات بهما بالإجماع، والجمعة صلاة فلا تختص بحكم يخالف غيرها إلا بدليل، ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على المعتبر في غيرها، وقد قال عبد الحق إنه لا يثبت في عدد الجمعة حديث، وكذلك قال السيوطي: لم يثبت في شيء من الأحاديث تعيين عدد مخصوص”. [نيل الأوطار: 3/ 277].

رابعا: تعليق على بعض الاعتراضات والمناقشات:

1 – ما ذكره بعض المشايخ من أنّ هذا القول بدعة يقتضي تبديع جميع أقوال وفتاوى السلف في النوازل المتجددة من أيام الصحابة إلى الآن، وما قيل من كونه يُحدِث مشقَّة تنافي المقصود عجيب، فالمقصود إقامة الجمعة، وإذا لم نستطع إقامتها على وجهها نقيم المقدور عليه من ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآنف الذكر: “ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم” والقاعدة: أن ما لا يدرك لا يترك،  أو أن “الميسور لا يسقط بالمعسور”، والسهولةُ واليسر يتحققان للقادرين على إقامتها في الدور بلا مشقة.

2 – ما رآه بعض مشايخنا من كون الفتوى ملفَّقةً من أقوال مختلفةٍ، وأنّها مجمع على بطلانهاغيرُ صحيح؛ فالفتوى متعلقة بنازلة جديدة لا نعلم وقوعها قبلُ في هذه الأمة، وهي إغلاق المساجد جميعًا، ومنع الصلاة فيها، ولم يرد لها ذكر فيما وقفنا عليه من كلام أئمة المذاهب، ومقصود الفتوى البحثُ عن أي وجه لا تُعطَّل به الجمعة والجماعات باجتهاد جديد يحاولُ مواكبةً لنازلة جديدة انطلاقا من نصوص الوحي، ولا تمكن دعوى الإجماع على حكم نازلة جديدة لم تقع قطُّ، وكان الأقرب للموضوعية أن يقال: إنها موافقة لمذهب الحنفية والحنابلة غير أنها أسقطت شرط إذن الإمام و قد شرطوه، والجواب أن هذا الشرط لا دليل عليه واعتبارُه قد يعود على الجمعة بالإسقاط، والجمعة فريضة مكتوبة، فلا يشترط لإقامتها السلطان ولا إذنه كسائر الصلوت.

3 – أمّا دعوى أنّه صلى الله عليه وسلّم لم يُجمّع بمكّة فجوابها أنّ فعل النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة في الجمعة غيرُ مرويّ كإمامته الجماعة في غير الجمعة، والقاعدة: أن عدم العلم بالشيء ليس علمًا بعدمه، وما رُوِي من أنّه صلى الله عليه وسلّم أذِن بالجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع أن يجمِّع بمكة، ولا يبين لهم، وكتب إلى مصعب بن عمير: “أما بعد فانظر اليوم الذي يجهرُ فيه اليهود لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين” ففي إسناده أحمد بن محمّد بن غالب الباهليّ، والحديث موضوعٌ، والباهلي هو: غلام خليلٍ كذاب مشهور بالكذب، وإنما هذا أصله من مراسيل الزهري، وفي هذا السياق ألفاظٌ منكرةٌ، كما قال ابن رجب في فتحه [فتح الباري لابن رجب: 8/ 65].

4 – القول: إنّ للجمعة نداءً لقوله سبحانه وتعالى: {إذا نودِي للصلاة} فلا بدّ لها من المسجد مشكلٌ، فالنداء للصلاة هو الأذان، ولا يختص بالمساجد بل جاء الأمرُ به لمن كان في الغنم والبادية.

5 – قول بعض مشايخنا: “إنّ مؤدَّى هذا القول بطلانُ مقصد الشريعة من إقامة الجمعة”، فما أدري كيف يؤدِّي الحفاظُ على أصل هذه الشعيرة بالقدر المُتاح حتَّى تُرفعَ الغمّة ويزول المنعُ من المساجد إلى بطلان مقصد الشريعة، فهل مقصد الشريعة أن تقام أو أن لا تقام؟ وإقامتها هي التي تميِّزُ يومها عن سائر الأيام، وتحويلها إلى ظهرٍ مع المقدور عليه من إقامتها هو الذي يُفيتُ ذلك، ويجعل اليوم كسائر الأيام. 

وقد تكلم الفقهاء قديما عن إسقاط الشروط للضرورة، ومن أمثلة ذلك شروط القاضي والإمام والعدول وشرط الطهارة للصلاة في حال انعدام الماء والصعيد، فلو فرضنا صحّة ورجحان اشتراط المسجد فالقول بإسقاط الشرط لتعذره ليس ابتداعا في النظر وليس غريبا في الفقه.

وقد أجاز عدد من العلماء المعاصرين إقامة الجمعة في قاعات الفنادق والمؤسّسات عند تعذّر إقامتها في المساجد كما يحصل للمسلمين في عدد من المدن الغربيّة، ولا فرقَ مؤثرا بين البيوت الخاصة وأماكن العمل والقاعات فكلها ليست مساجد، وكلّها ملكٌ خاصّ محجور، وإنما تدعو الضرورة أو الحاجة إلى إقامة الجمعة فيها.

6 – اعتبر بعض أساتذتنا أنّ الفتوى تؤدّي إلى فوضى وتمرّد على السلطان، فلماذا لا تكون الفتوى لولي الأمر نفسه فيأمر المؤذن والإمام ومن يُعينهما بإقامة الجمعة والخمس متباعدين لا يتصافحون، ويأمر الناس أن يقتدوا بصوت الإمام إن سمعوه بالمكبر أو عبر الوسائل المستعملة في المساجد بحسب الأحياء ومن لم يسمع وكان معه في البيت رجلان يصلونها في البيت إن قدروا و لم يرد نص بمنع تعدد الجُمَع، وهو الشأن الآن في كل المدن  والثلاثة الذين يسكنون في بيت واحد ما الذي جعل صلاتهم سببا للعدوى دون ما سواها من المساكنة.

7 – اعتماد بعض شيوخنا على رواية الطيالسي لحديث أبي سعيد وتركهم رواية مسلم في الصحيح ليُقصر الحديث على السفر لا يسلم من تنكّب ما تقرر عند  أهل الحديث من أنّ الاضطراب إن وقع فرواية الصحيح قاضية على غيرها.

8 – تفريق بعض المشايخ بين الجمعة والجماعة يحتاج إلى الدليل على أن شرائط الجمعة غير شرائط الجماعة، وكلام عبد الحقّ الإشبيليِّ في الرواية لا في الدراية؛ فليس من اجتهاده، وإنما ذكر أنه لم يُروَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في العدد في الجمعة غيرُ هذا الحديث وعدم تسليمه ملزم لمن لم يسلمه أن يأتي بحديث صحيح يخالف ما قال.

9 – استشكل بعض المعلّقين ما ورد في الفتوى من الاقتداء عبر المذياع أو الشبكة، فجوابه أنّ المراد الاقتداء بالصوت دون الرؤية في النطاق القريب من المسجد عن طريق أدوات نقل الصوت، فكثير من المساجد توضَع على أبوابها وفي الطرق المتصلة بها شاشات لعرض ما بداخل المسجد وقد يكون للمسجد مذياع يبث عبر الشبكة في محيطه و هذا الذي قصدت ولا يمكن أن أقصد الاقتداء عبر القنوات أو الإذاعات الفضائية التي تغطي مسافات يختلف فيها التوقيت أصلا.

والمراد بحيّ كل مسجد حيث يصلي رجاله، وحيث كان يباح لهم البيع إذا انتهت صلاة الجمعة فيه، ويحلُّ لهم ذبح الأضاحي إذا ذبح إمامه.

10 – وأمّا كلامُ الإشبيليّ الوارد في الفتوى فقد حفظناه من مشايخنا قديما، ولم أقف عليه في كتبه المطبوعة، بل رأيت له في كتاب الأحكام الوُسطى تعليقا على حديث أمّ عبد الله الدّوسيّة عند الدارقُطنيّ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “الجمعة واجبة على كلّ قرية فيها إمامٌ، وإن لم يكونوا إلّا أربعة” حتى ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلّم ثلاثة، قال الإشبيليّ رحمه الله: “ولا يصح في عدد الجمعة شيءٌ” [الأحكام الوسطى: 1/ 104] ونقل كلامه هذا الزيلعي في نصب الراية: 2/ 197، والعينيّ في شرحه على البخاري [عمدة القاري: 6/ 188] وفي شرحه على سنن أبي داود [3/ 393] كما نقله ابن الملقّن في البدر المنير: 4/ 598. 

ويفيد هذا الكلام، وإن لم يكن هو ما روينا أنّه لا خصوصيّة للجمعة ما دامت لا يصحّ في اشتراط عدد معيّن لها شيءٌ، فيجري عليها حديث أبي سعيد عند مسلم عنه صلى الله عليه وسلّم قال: “إذا كانوا ثلاثة فليؤمّهم أحدُهم” فهو مطلق، ولا كلامَ في صحّته، فتستوي فيه الجمعة وغيرها.

وقد أخذ باعتبار عموم حديث أبي سعيد العلامة عبد الرحمن بن قاسم الحنبليّ، في كتابه الإحكام في شرح أصول الأحكام، فقال بعد ذكر حديث أبي سعيد: “وهذا عامّ وقال شيخ الإسلام [يعني ابن تيمية] تنعقد الجمعة بثلاثة واحد يخطب واثنان يستمعان، وهي إحدى الروايات عن أحمد وقول طائفة من العلماء […] وحكى النوويّ وغيرُه إجماع الأمّة على اشتراط العدد، وأنّها لا تصحّ من منفرد، وأنّ الجماعة شرط لصحّتها، والله أعلمُ أنّه لا مستند لاشتراط عدد أوضح وأصحّ من حديث أبي سعيد، ويشهد له عموم الآية وما سواه يحتاج إلى برهان” ثم قال بعد هذا: “فأمرهم بالإمامة وهو عامّ في الصلوات كلّها الجمعة والجماعة، لأنّ الأصل وجوب الجمعة على الجماعة المقيمين، فالثلاثة جماعة تجب عليهم الجمعة ولا دليل على إسقاطها عنهم، وإسقاطها عنهم تحكّم بالرأي الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة، ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس صحيح” [الإحكام في شرح أصول الأحكام: 1/ 442 – 443] ونقل مثل هذا عن شيخ الإسلام ابن تيمية وبعض أهل العلم.    

11 – قول بعض الشيوخ: “إنّ إقامة الجمعة بثلاثة في الصورة المذكورة خارجٌ عن مذهب الحنفيّة لاشتراطهم الوالي” يُجاب عنه أنّ النازلة بالصورة محل البحث جديدة، وخروجها عن أقوال الفقهاء سائغ، ومع ذلك فقد نقل الشوكانيّ إقامة الجمعة باثنين مع الإمام عن صاحبي الإمام أبي يوسف ومحمد قال: “وحكاه في شرح المهذب عن الأوزاعي وأبي ثور، وحكاه في البحر عن أبي العباس وتحصيله للهادي والأوزاعي والثوري”، وقد نقل بعض الحنفيّة عن أبي يوسف أنّ للمثنى حكم الجماعة حقيقة وحكماً، فالجماعة مشتقة من الاجتماع وذلك يتحقق بالمثنى.

والخلاصة: أنّ النازلة جديدة، والكلام فيها كان منطلقا من اعتبار أنّ إقامة الجماعة في البلد فرض كفاية ويجبرون على إحضار ثلاثة فأكثر، فإن امتنعوا أجبروا على ذلك ولو بالقتال كما قال ابن رشد رحمه الله، وأنّ الجمعة فريضة من فرائض الدين بالكتاب والسنّة والإجماع، وإقامتها شعيرة من شعائر الإسلام، وهي مطلوبة في أهل كلّ بلد، وإذا لم يفعلوا قُوتِلوا عليها كذلك، وهذا محلّ إجماع، وقد أُمرنا بترك الظهر لإقامتها، والظهر فريضة ولا يجوز ترك الفرض إلا لفرضٍ هو آكد وأولى منه، فدل وجوب ترك الظهر لإقامة الجمعة على أن الجمعة أوجب وأقوى وآكد في الفرضية، ولا يحلّ تعطيلها ما دام المسلمون قادرين على الاجتماع لها قدرَ المستطاع فلا دليلَ معتبرٌ في الشرع على تخصيصها بعدد أو مكان معيّنين، فتُقام إن وُجدت جماعة من ثلاثة فأكثر؛ لحديث أبي سعيد المذكور، ولم نقف على دليل يفرّق بين الجُمعة والجماعة.

ثمّ إنّ هذه الفتوى خاصّة بهذا الظرف اعتبارا للضرورة والحاجة، وما وقع من إغلاق المساجد ومنع الاجتماع فيها، فإن ارتفعت الضرورة وانكشفت الغمّة فالعمل بما جرى عليه عمل السلف المبارَك رحمهم الله.

ولا ضيرَ في اختلاف أهل العلم والإفتاء في النوازل المتجدّدة، فالإجماع فيها متعذّرٌ، ومن صحّ عنده قولُ مفتٍ فليعمل به، وإن لم يصحّ عنده مستندُه فليتركه، وليس في الأمر من بأس. 

والعلم عند الله تعالى، وهو مولانا ونعم الوكيل.

أخوكم : محمد الحسن الددو

بتاريخ: 24/ مارس/ 2020

زر الذهاب إلى الأعلى