مكابدة ساعة ثم حلاوة الأبد /يوسف عبدالرحمن الخليلي

هل ترغب في أن يحقق الله كل ما تتمنى، وهل تحب أن تكون من الصفوة المحبوبين عند الله، وهل تحرص على أن يتألق نجمك في سماء حياتك الأولى والأخرى، وهل تشتاق إلى أن تتمتع بالسكن في غرف الجنة ترى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها وفق الحديث النبوي؟؟؟ لكن هذه المنح الربانية العظيمة ليست للذين يغطون الليل كله، بل إنما ينالها ويستمتع بها من تجافى جنبه عن مضجعه في الليل، وكان قانتا آناء الليل ساجدا وقائما، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، وكان ممن يبيتون لربهم سجدا وقياما، ولم يكن يهجع في الليل إلا قليلا.
نعم، إنك لا تجد داعيا صلحت الأمة على يديه ولا كاتبا ونابغا أثرت كتاباته ومقالاته في القراء، فعدلت بهم إلى الجادة المستقيمة، ولا مفكرا إسلاميا كبيرا لعب دورا في نشر المعتقدات السليمة، إلا وكان متهجدا في دلج الليل الآخر، مبتهلا إلي الله ابتهال المذنب الذليل، سائلا إياه في ساعة غارت فيها النجوم وهدأت فيها العيون، واستمتع بالسرر الناعمة النائمون، فقد كان يقوم بجنب فراشه الناعم الوثير، يمسحه بيده، ويحس بنعومته وليونته، يحاوره قائلا: ما ألينك! وما أنعمك! وما أحلاك! ولكن فرش الجنة وسررها ألين وأنعم منك وأحلى منك… ثم يبدأ يطويه طيا، ويقوم يناجي ربه، يسأله فيعطيه، ويستغفره فيغفر له، ويستنجده فيجيبه، ويعرض عليه حاجته فيقضيها.
وهؤلاء الثلة من الصفوة المختارة يصفهم ربنا جل وعلا في محكم تنزيله:(( تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ))، وهكذا جاء في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم الليل حتى تفطرت قدماه، فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيجيب: أفلا أكون عبدا شكورا.
ما أجمل أن يختلي الإنسان بربه،!فإن الناس لهم أحوال بالليل، هذا يسهر الليل على مشاهدة الأفلام يدمن النظر في شاشة الجوال، وهذا يقضي الليل كله في المبارات أو في الاختلاء مع حبيبته بالحرام، وهذا يمشي متمايلا في سكر وعربدة، وذاك يغط بنومه حتى يطلع الصباح وما صلى لله ركعة، ولكن هناك شخص من بين الآلاف أو ملايين من الناس قام فتوضأ، وصلى في جوف الليل الآخر، وقام بالتدبر في كلام الله عزوجل،فنال حظا وافرا من رحمات الله وبركاته…كما في الحديث النبوي قوله عليه الصلوة والسلام : رحِمَ اللَّه رَجُلا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فصلىَّ وأيْقَظَ امرأَتهُ، فإنْ أَبَتْ نَضحَ في وجْهِهَا الماءَ، رَحِمَ اللَّهُ امَرَأَةً قَامت مِن اللَّيْلِ فَصلَّتْ، وأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فإِن أَبي نَضَحَتْ فِي وجْهِهِ الماءَ.(رواهُ أَبُو داود بإِسنادِ صحيحٍ).
فهذه هي الأسرة المرحومة التي طالما افتقدناها في مجتمعاتنا، ليت الأسر كلها تجري على هذه السجية المحبوبة عند الله وعند نبيه وعند الصلحاء من أمته، وهؤلاء هم الذين قد وصفهم الشاعر بقوله:

عبّاد ليل إذا جنَّ الظلام بهم
كم عابد دمعه في الخدِّ أجراه
وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم
هبُّوا إلى الموت يستجدون رؤياه

وقيام الليل يحتاج في بداية إلى التدرج بالقليل ومقاومة النفس وتعويدها عليه ولو كان بمكابدة النفس وتحمل المشقة، وما إن ثابر أحد عليه عدة ليال – وما أسهل ذلك في عطلات كورونا وليالي رمضان – إلا ويبدأ يستلذ به في شهر أو شهرين، ثم يجني به ما شاء من الفوائد والثمرات من خيري الدنيا والآخرة. هذا ثابت البناني يقول:( جاهدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة، ثم تلذذت به عشرين سنة)…ونستنبط من هذه الحكمة أننا لا نستعجل التغيير ، ولا بد لنا أن نصبر حتى نجني الثمار، وما هذه الخطوات الا مساعدة لك في طريق التغيير، فهذا الرجل الصالح جاهد نفسه عشرين سنة أي تذوق مرارة الألم؛ فأنه لم يكن قد ألف قيام الليل ولكن مع تكرار الفعل أصبح يتمتع عشرين سنة أخرى؛ لأنها أصبحت عادة عنده.
نسأل الله تعالى أن يوفقني وإياكم للمثابرة على قيام الليل، وهو المستعان وعليه التكلان.

زر الذهاب إلى الأعلى