موريتانيا وكورونا… البقاء للأقوى/ محمد فال الشيخ

ككل الأزمات التي تندلع في الخارج تعاطى الموريتانيون مع وباء كوروننا في بدايته بتجاهل ولا مبالاة فقد شهدت الأعوام الأخيرة أوبئة عديدة قتلت الآلاف وبقيت بلادنا بمنئ عنها نظرا لضعف ارتباطنا بالخارج وكون هذه الأمراض مرتبطة بسلوكيات أو باستعمال مواد غذائية لا نستخدمها أو قليلة الاستخدام (افلونزا الخنازير.. أفلونزا الطيور.. الأيبولا.. السارس الخ).
بيْد أن وباء كورونا المستجد كان مختلفا ..فقد دهم العالم وأدهش الأطباء والمختصين بسبب سرعة انتشاره وفشل الدول المركزية الأكثر تطورا في العالم في مواجهته.
وجدت موريتانيا نفسها فجأة أمام خطر داهم بعد اجتياح الوباء لدولتين أوروبتين كبيرتين من أكثر الدول الأوربية اتباطا بموريتانيا اقتصاديا وتجاريا وهما إسبانيا وفرنسا.

البداية المرتبكة

بغض النظر عن اختلافنا في تقييم تعاطي الحكومة الموريتانية مع جائحة كورونا فإن إجراءاتها كانت قوية منذ اللحظة الأولى بدء بقرار إغلاق المجال الجوي مرورا بحظر التجوال وانتهاء بإغلاق الأسواق ومنع التنقل بين المدن كل هذ الإجراءات تمت وعدد الإصابات المؤكدة لم يتجاوز أصابع اليد الواحدة وهي خطوات مهمة ومتقدمة لا بد أنها ساهمت في تهيئة الشارع للتعاطي مع جائحة عالمية اخترقت نظام المواصلات العالمي وحولته إلى أداة لتوزيع الوباء بين قارات العالم.
ومع أن الخطوات الحكومية كانت قوية إلا أنها لم تستلم من ارتباك وتردد فقد تأخر حجز ركاب الرحلات القادمة من الدول الموبوة وتم الاكتفاء بالفحص الحراري الأولي الأمر الذي دفعت البلاده ثمنه غاليا حيث كانت غالبية الحالات المكتشفة تتعلق بركاب آخر رحلتين قادمتين من فرنسا وإسبانيا.
لأمر ذاته ينطبق على الإغلاق المتأخر للمعابر البرية مع الدول المجاورة التي بدأ الوباء يصلها فضلا عن صعوبة تغطية الحدود بشكل الكامل وظروف ما بات يعرف بالمتسللين وكان من نتائج ذلك ظهور حلة إصابة لمواطن قادم من السيغال كان يقيم في قلب مدينة كيهيدي
ومن مظاهر الارتباك الواضحة كذلك أزمة المواطنين العالقين على الحدود وغياب سياسة واضحة في التعاطي مع هذا الموضوع بما يحفظ حقوق المواطنين ويضمن منع نقل الوباء القادم من الخارج.
أزمة كاشفة
عولت الحكومة الموريتانية على السياسة الوقائية ومنع انتقال المرض إلى الخارج إلى الداخل مهما كان الثمن بالنظر إلى ضعف وهشاشة النظام الصحي في البلاد واعتراف الجهات المعنية بأنه غير مؤهل ولا قادر على مواجهة تحد من هذا القبيل خاصة في ظل عجز أنظمة صحية عالمية عن مواجهة المرض الغامض.
وكان تعاطي مشتشفى كيهيدي ومصحة ابن سيناء مع الحالتين اللتين وصلتهما دليلا واضحا عن عجز نظامنا الصحي عن التعامل مع الوباء بأقل مستويات الجاهزية المطلوبة .
كانت هذه الجائحة امتحانا كاشفا لمنظومتنا الصحية ومدى قدرتها على التعاطي مع أي طارئ وهو مايجعل الأولوية المحلة الآن إيجاد بنية صحية قادرة على التعاطي مع احتمال انتشار الوباء وتوفير المعدات واللوازم المطلوبة مهما كانت التحديات والتكاليف فالصراع صراع وجود والبقاء للأوقوى.

الآثار والنتائج

الإجراءات التي اتخذتها موريتانيا لمواجهة وباء كورونا ضربت الاقتصاد الوطني في مقتل وأدت إلى شلل في الحركة التجارية وتوقف النشاط التجاري غير المصنف الذي كان يمتص نسبة كبيرة من البطالة وبالتالي أصبحنا أمام أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة نتيجة قرار إغلاق الأسواق ومنع التجوال وتقييد الحركة وفي بلد تصل فيه نسبة الفقر إلى 31% حسب الاحصاءات الرسمية فإن آلالاف الأسر إن لم نقل مئات الآلاف ستكون بدون دخل وستواجه مصيرا مجهولا لا تقل مخاطره عن انتشار الوباء. ولولا بقية التكافل الاجتماعي الموجود في المجتمع لكان الخطر أكبر.
معادلة صعبة جدا وهي اتخاذ الإجراءات الضرورية المؤلمة للتصدي للوباء والحد من آثاره ونتائجه في نفس الوقت إنه امتحان لكل دول العالم وامتحان لبلدنا ومدى قدرته على الصمود.
الحكومة أعلنت خطة ب 25 مليار أوقية لمواجهة الآثار الاقتصادية والاجتماعية وهي خطة طموحة لكنها تواجه عقبات عديدة أولها غياب إحصاءات رسمية وقاعدة بيانات ذات مصداقية عن الفقراء والطبقات الهشة وانتشار الفساد ضعف المنظومة الإدرية المشرفة على مثل هذه المشاريع التدخلية .
بناء على تجارب سابقة يمكن القول إن تأثير هذه الخطة التدخلية سيكون طفيفا وقليلا لكنها مع ذلك مهمة وستساهم في استقرار الأوضاع والطمأنينة العامة .
إن أزمة توفير الغذاء والدواء في هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها العالم هي أكبر تحد يواجه الحكومة الموريتانية في ظل الاضطرابات المتوقعة في التجارة العالمية ومنع العديد من الدول تصدير المواد خوفا من التحولات الناجمة عن الوباء وتحسبا للطوارئ.
ويتأكد ذلك حين نعلم أن موريتانيا تستورد غالبية غذائها وكل دوائها ومع ان البلاد تتوفر على مقومات طبيعية مهمة من حيث الزراعة وتوفر مصادر المياه إلا أنها عاجزة حتى الآن عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من المواد الأساسية من زيوت وألبان وخضروات وهو ما حدى بالحكومة إلى رفع الجمركة عن الألبان المجففة والزيوت والخضروات والفواكه سعيا إلى السيطرة على الأسعار وبقائها مستقرة وهي معادلة نجحت فيها الحكومة حتى الآن غير أنه لا شيئ يضمن بقاء الأسعار مسيطرا عليها مع تطور الأحداث المتعلقة بالوباء واضطراب حركة النقل الدولي وهو ما يجعل من الأهمية بمكان أن تتحرك الحكومة والمجتمع باتجاه تحقيق الاكتفاء الذاتي عبر تمويل مشاريع عملاقة في مجال الزراعة والصيد البحري والتنمية الحيوانية وتتوفر البلاد على مقومات هائلة لمثل هذه المشاريع يمكن أن تؤدي إلى طفرة في مجال الأمن الغذائي بل وتصدير هذه المواد والاستفادة من عائداتها.
إن الآثار الاقتصادية والاجتماعية لوباء كورونا ستكون موازية أو أخطر من نتائجه الصحية بالنظر إلى وجود طبقة عريضة من المواطنين تعيش تحت خط الفقر ومع استمرار تعطل الحركة الاقتصادية وفي ظل حالة الجفاف التي تشهدها مناطق واسعة من البلاد فإن نذر أزمة اجتماعية اقتصادية يلوح في الأفق ولا تستطيع الحكومة مواجهة مثل هذه الآثار إلا بمزيد من مشاريع التدخل الخاصة وإطلاق أنماط من المشاريع الاقتصادية واتباع سياسة تخفيف تدريجي للاجراءات الحالية خاصة إذا ما طال أمد الأزمة لا قدر الله.

إعادة ترتيب الأولويات

إن وباء كورونا فرض أولويات جديدة وتحديات أكبر على موريتانيا مثل غيرها من دول العالم ولعل أبرز مثال على ذلك إعلان شركات الغاز المسؤولة عن حقل آحميم المشترك مع السينغال تأخير استخراجه تحت تأثير الأزمة الحالية زد على ذلك خدمة الدين الخارجي المرتفعة التي تدفعها موريتانيا سنويا والتي تصل إلى 300 مليون دولار إن دخول الاقتصاد في مرحلة من الانكماش يفاقم من تحديات الحكومة ومن قدرتها على التعاطي المناسب مع أزمة كبيرة ومفتوحة بهذا الشكل غير أنه لا يوجد أي خيار أمام الدولة والشعب سوى الصمود والانتصار في هذا المعركة الشرسة.
ويمكن هنا أن نقول إن الأولويات التي فرضت نفسها في هذه المرحلة هي
1ـ تطوير قطاع الصحة وتوفير الوسائل له من اجل التصدي للوباء
2ـ تنفيذ برامج تدخلية خاصة للفقراء والطبقات الهشة
3ـ إطلاق مشاريع طموحة واسراتيجية في مجالات الأمن الغذائي (الزراعة – التنمية الحيوانية – الصيد البحري الخ).

4ـ الحفاظ على الأمن والاستقرار وحماية الحدود.

إن هذه الألويات الأربع وما يتصل بها من جوانب مرتبطة بحياة المواطن وصحته وتوفير وسائل الحياة الكريمة هي أكبر تحد يواجه الحكومة خلال الفترة المقبلة ويجب أن يعاد صياغة السياسات والميزانيات والبرامج بناء على هذه الأولويات التي فرضت نفسها على كل دول العالم.
غير أن كل ذلك مرتبط بتطورات الوباء ومدى القدرة العالم على احتوائه والقضاء عليع وهو أمر صعب التنبؤ به ويمكن القول إن أكثر المتفائلين بسرعة التغلب على المرض يتوقع أن تستمر الأزمة إلى نهاية العام الحالي حتى يتم اكتشاف دواء وتجريبه والتأكد من صلاحياته وهي مدة طويلة نسبيا بالنسبة للدول الفقيرة والهشة أما إذا استمرت المعركة مع الوباء فترة أطول لا قدر الله فإن الأوضاع في العالم وليس في بلدنا فقط ستكون مفتوحة على كل الاحتمالات.

دروس الأزمة

لكل أزمة جانب إيجابي مشرق يمكن أن نتلمسه ونلحظه مهما كانت شدتها وقتامتها وكل محنة تحمل في طياتها منحة وقد حصدت الحربين العالميتين في القرن الماضي عشرات الملايين في أوروبا وحدها ولم تمض سنوات قليلة حتى تحولت أوروبا إلى واحة سلام ونموذج في الاستقرار والرقي. ولعل مثل هذه الأزمات فرصة لتعريف المجتمعات والدول على عناصر القوة الكامنة وحجم الفرص والمقومات المهدرة ويمكن لموريتانيا أن تستفيد من هذه الأزمة باستغلال ما حباها الله به من خيرات وموارد من أراض خصبة ومياه عذبة وشاطئ غنية ومعادن نفيسة ومورد بشرية شابة وفتية وبالتالي إحداث نقلة نوعية في مجال الأمن الغذائي بدل الاعتماد على الخارج والاستيراد المكلف الذي يبدد أرصدة البلد من العملة الصعبة ويكفى مثال على ذلك أن موريتانيا صرفت خلال العام الماضي 2019 وفق بيانات الجمارك نحو 26 مليار أوقيةقديمة في استيراد الألبان من الخارج وهي التي تتوفر على نحو 4 ملايين رأس من الإبل و4 ملايين رأس من البقر وزهاء 20 مليون رأس من الغنم فضلا عن الأنهار والأودية الخصبة وشوطئ غنية بالأسماك النادرة.
زد على ذلك قلة السكان ونسبة الشباب المرتفعة وهي كلها مقومات نادرة تشكل في حد ذاتها مؤشرا قويا على أن هذا البلد لا يمكنه أن يجوع وأنه يتوفر على مواد هائلة لو استغلت ستجعله دولة نموذجية وليس مجرد دولة ناجحة.

زر الذهاب إلى الأعلى