وترجَّل فارسُ الجهاد السِّلميِّ عبد الله الحامد/الشنقيطي

لم أتشرف بلقائه شخصيا أبدًا بكل أسف، إنما عرفتُ عنه بالصدفة منذ نحو عقدين من الزمان، ثم تابعتُ فكره ونشاطه منذئذ. كان أولَ ما عرفتُ عنه على لسان أحد الأصدقاء من الطلاب السعوديين بجامعة تكساس الأميركية. هنالك في الغربة البعيدة حيث يكون للشعر العربي عبَقٌ خاص، سمعتُ ذلك الطالب قصيدة لعبد الله الحامد، تَدْخل ضمن النقد السياسي المرِح، وقد علق في ذهني منها بيتان طريفان، هما قول الحامد ينتقد سياسة التسكيت والتبكيت في السعودية:
وتفسيرٌ لقـــــــــــــرآنٍ
وويْلٌ للذي فَسَّرْ
وإدغامٌ وإخفاءٌ
وويلٌ للذي أظهرْ
أدركتُ منذ البدء أن صاحب القصيدة ذو لسان عذب، وأفق إنساني رحب، وأنه ناقد سياسي يملك حاسَّة مرِحة، وروحا متوثِّبة، وخلفية إسلامية، يكشف عنها استخدامه لمصطلحات علم القراءات في القصيدة (الإدغام والإخفاء والإظهار) برشاقة أدبية واضحة. ثم وجدتُ -فيما بعدُ- أن هذه اللمسة الأدبية اللطيفة حاضرةٌ في خطاب الحامد السياسي، الذي تتخلله إشارات أدبية ذكية ذات مغزى سياسي عميق. ومن أمثلة ذلك أنه -رحمه الله- حين أراد مرةً إنذار السلطة السعودية من مخاطر الوقوف في وجه ثورات الربيع العربي، ختم محاضرته ببيتيْ البحتري الشهيرين في وصف فصل الربيع:
أتاك الربيعُ الطَّلْقُ يختال ضاحكاً
من الحُسْن حتى كادَ أن يتكلما
وقد نبَّه النيروزُ في غسَق الـــــــــــــــــدُّجى أوائلَ ورْدٍ كُنَّ بالأمس نُـــــــــــــــــــــــــــوَّمَا
لقد آتاه الله لسانًا لَافِظًا، وقلبا حافظًا، وروحًا صافية، وشجاعة فائقة، وعزيمة حديدية. لم يكن يحسن التورية والأحاديث المجازية، رغم موهبته الشعرية وتخصصه الأدبي، بل غلبت عليه النزاهة والصراحة، فكان يسمِّي الأمور بأسمائها، ويقول للظالم “يا ظالم”! وللمتملق: “يا منافق”!
كان عبد الله الحامد نسيجًا وحده في مجتمع تمزِّقه قوَّتان متضادتان: قوى الاستبداد والجبرية الدينية والسياسية، وقوى الغلوِّ والتكفير والتفجير. فاختطَّ لنفسه -مع ثُلَّة من الأحرار الأبرار في بلده- طريقا ثالثا، سماه “الجهاد السلمي”. وهذا مصطلحٌ بديعٌ، استمدَّه الحامد من نصوص الوحي الإسلامي، وأصَّل له في كتابه المعنون: (الكلمة أقوى من الرصاص) بأدلة متضافرة من القرآن والسنة، منها:

أولا: الٱية الكريمة: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً) [سورة الفرقان، الآية 52]، أي جاهدْهم بالقرآن. فسياق الآية يدل على أن “الجهاد هنا جهادُ كلام، لا جهادُ حُسام” كما يقول الحامد.

الآية الكريمة: “يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم” [سورة التوبة، 73]. وعلَّق الحامد هنا بالقول: “وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقاتل المنافقين ولم يقتلهم، فتبين أن ذلك الجهاد جهاد مدني سلمي، بالمصابرة والمعاركة السلمية.”

العديد من الأحاديث النبوية، وأصرحُها حديث: “سيدُ الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله” [رواه الحاكم وصححه الألباني]. يقول الحامد: “فجعل الرسول الكلمة من الجهاد في الذروة، والكلمة هي نوع من أنواع العمل المدني.”
كان عبد الله الحامد -رحمه الله- مدركا تمام الإدراك لثمن الجهاد السلمي الذي دعا إليه بالقول والفعل، فأوضح في الكتاب ذاته أن “هذا الجهاد يتَّفق مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أن كلاًّ منهما أمرٌ بمعروف ونهيٌ عن منكر، ولكن الجهاد يختص ببروز عنصر المخاطرة والمغامرة.” ولم يمنعه هذا الإدراك من ركوب الخطر.
كان مثاليا حالما، وذلك سِرُّ قوَّته، ومنبع تصميمه الذي لم يلن على مدى ثلاثة عقود. وكان وعيه بالزمان عميقا، فأدرك أن التغيير السياسي آت لا ريب فيه، وأن المنطقة العربية الإسلامية ليست استثناء من حركة التاريخ، وأن رسالة أهل الحكمة والنظر هي تسهيل حركة التغيير بأخْصر طريقٍ، وأرخص ثمنٍ من الدماء والأموال. وكان -بنفاذ بصيرته- سابقا على زمانه، فدعا إلى ما سمَّيناه في مقال آخر “الإصلاح الوقائي”، وكان سبَّاقاً إلى ذلك، حتى قبل ظهور موجة الربيع العربي وما حملتْه من نُذُر لم يفهم الحمقى والمغفَّلون دلالتها التاريخية إلى اليوم.
إن منهاج الإصلاح الذي تبنَّاه الحامد وصَحْبُه في جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية (حسم) يتلخص في الدعوة إلى إصلاح وقائي يخدم الجميع، ويتلاقى بموجبه الحكام والمحكومون في منتصف الطريق، فتتحول السعودية -تدريجيا- إلى ملَكية دستورية، تحافظ فيها الأسرة الحاكمة على ما يكفيها من المجد والثروة، ويحصل الشعب على حريته وكرامته، وإدارة شؤونه عبر هيئات منتخَبة، تخضع للمحاسبة والمراقبة الشعبية. ويشمل ذلك استقلال القضاء، ووقف القمع والسجن بغير حق، وضمان الحريات الفردية والجماعية، ضمن الحدود الشرعية التي يقرها الإسلام.
ويمكن القول إن الحامد هو أول من قدَّم رؤية إصلاحية دستورية متكاملة للدولة السعودية، بكل شجاعة ونزاهة، بعيدًا عن غلوِّ التكفيريين، ومَلَق المتملقين. وقد أدرك الحامد مبكرا أن الإصلاح السياسي وحده هو الذي سيجفف ينابيع الفكر التكفيري، ويلجم جماعات العنف الأهوج، وأوضح في أكثر من سياق أن تلك الجماعات ليست سوى ربيبةٍ للثنائية السائدة في السعودية: ثنائية الأمراء والفقهاء، الشيوخ والمشايخ، الذين يتخادمون بإبقاء الشعب تحت سطوتهم السياسية ووصايتهم الدينية، ويشكِّلون ما دعاه هو “توأم القمع السعودي”. وتوصَّل إلى أن حكم الشعب وولاية الأمة على نفسها هما البديل عن هذا الزواج الكاثوليكي بين أمراء السعودية وفقهاء السلطان السائرين في ركابهم، ممن سمحوا للسلطة بتأميم الإسلام، وتحويل المساجد إلى “صوامعِ رهبنةٍ أو أبواقِ فرعنةٍ” حسب تعبيره.
ورغم أن الحامد كان مثاليا حالما -وذاك سرُّ جاذبيته وتأثيره- فقد كان أيضا واقعيا وعمليا جدا. فجاءت رؤيته للإصلاح الدستوري في السعودية محدَّدةَ المعالم، واضحةَ الغايات، لا تنطلق من ضغينة على أحد، بل تتَّسع لكل أحد. ولم تكن رؤيته مبنية على استعجال الثمرة، أو القفز على الوقائع الاجتماعية والعوائق السياسية. ولذلك دعا إلى البدء بتطبيق بما يشبه النموذج السياسي المغربي في السعودية، أيْ الانتقال من الملَكية المطْلقة التي لا رقيب عليها، إلى الملَكية المختلطة التي يشترك فيها الملِك ومن ينتخبهم الشعب في إدارة شؤون البلاد، طبقا لحدودٍ دستورية واضحة. ولم يجد الحامد بأساً في أن تكون الملَكية المختلطة مرحلةً تمهيدية للانتقال إلى الملَكية الدستورية الكاملة، فما كان يهمه هو فتحُ ثغرة في الطريق المسدود، وسطوعُ نورٍ في نهاية النفَق المُعْتم.
وللمرء أن يتصور أين كانت ستكون السعودية اليوم، بل والمنطقة العربية كلها، لو أن القادة السعوديين قدَّروا رؤية الحامد وصحْبِه حقَّ قدرها، وتبنَّوا هذه الصيغة من الإصلاح الوقائي في خواتيم التسعينات، أو بواكير الألفين، أو حتى بعد انفجار الربيع العربي. من المؤكد أن السعودية كانت ستكون اليوم متصالحةً مع ذاتها، رائدةً في البلاد العربية، متصدِّرة في العالم والإسلامي، بدلا من حالة الإنهاك المادي، والاستنزاف المعنوي، والتيه الإستراتيجي، التي تعيشها اليوم.
وما كان هذا الإصلاح الوقائي الذي دعا له الحامد وصحبُه في السعودية -لو كان وجد آذانا صاغية وقلوبا واعية- ليمُرَّ دون أثرٍ طيٍّب في جميع أرجاء الوطن العربي والعالم الإسلامي، وأقلُّ ذلك أن السعودية كانت ستتحول أسوةً حسنة في مجال الانتقال السياسي السلمي، لا منبعًا للثورة المضادة، ومصدرا لإشعال الفتن والحرائق في أرجاء البلاد العربية، من أجل إبقاء الشعوب العربية في نير العبودية.
لكن ما حصل هو عكس ما تمناه عبد الله الحامد وصحبُه الأحرار: د. محمد القحطاني، ود. عبد الكريم الخضر، ود. وليد أبو الخير، وغيرهم. لقد أطلقت السلطة السعودية -ومِن ورائها (أو مِن أمامها) السلطة الإماراتية- يدها في البطش بالشعوب العربية الثائرة على الطغيان والفساد، وأنفقت خزائن شعبها في تمويل الانقلابات الدموية، وتحويل الثورات العربية إلى حروب أهلية عدَمية، تلتهم نيرانُها الشعوب العربية وأوطانها.
ورحل الشهيد عبد الله الحامد إلى ربه، وهو مقيمٌ في سجون الظلمة صابرًا محتسبًا، متمسكاً بمنهج الجهاد السلمي، وخلَّف وراءه تراثا فكريا وشعريا واسعا، ومواقفَ مبدئية مُلهمة، وشقيقيْن سجينين بمثل ما سُجن به من نصرة الحق والعدل، وجمْعاً من رفقاء الدرب في السجن وخارج السجن. لقد بذر الحامد بذرة الإصلاح ومضى، مثل صديقه وابنِ بلده الشهيد جمال خاشقجي الذي قال كلمته ومشى. ولا يبدو أن الحامدَ قد ارتاب قطُّ في الإيمان برسالة التنوير والتحرير التي أوقف عليها حياته، حتى وإن تأخَّرت ثمارها، فهي رسالة حق وعدل وخير في نهاية المطاف. وتذكِّرني مثالية الحامد، وإيمانه العميق بأن بذور الخير لا تضيع، بتلك الأنشودة الرمزية التي صدَّر بها مالك بن نبي كتابه (شروط النهضة):
“أيْ صديقي!
لقد حانتْ الساعة التي ينساب فيها شعاعُ الفجر الشَّاحب بين نجوم الشرق.
وكلُّ من سيستيقظ بدأ يتحرك وينتفض في خدَر النوم وملابسه الرثة.
ستُشرق شمس المثالية على كفاحك الذي استأنفْتَه هنالك في السهل، حيث المدينة التي نامت منذ أمس ما زالت مخدَّرة.
ستحمل إشعاعاتُ الصباح الجديد ظِلَّ جُهدك المبارك في السهل الذي تبذر فيه، بعيدًا عن خطواتك.
وسيحمل النسيم -الذي يمر الآن- البذور التي تنثرها يداك بعيدًا عن ظلك.
ابذُرْ يا أخي الزارع من أجل أن تذهب بذورُك بعيدًا عن حقلك، في الخطوط التي تتناءى عنك في عمق المستقبل.
ها هي بعض الأصوات تهتف، الأصوات التي أيقَظَـــتْها خطواتُك في المدينة، وأنت منقلبٌ إلى كفاحك الصباحي.
وهؤلاء الذين استيقظوا بدورهم سيلتئم شملهم معك بعد حين.
غنِّ يا أخي الزارع! لكي تَهدي بصوتك هذه الخطواتِ التي جاءت في عتَمة الفجر نحو الخطْو الذي يأتي من بعيد.
وليُدوِّ غناؤك البهيجُ كما دوَّى من قبل غناءُ الأنبياء في فجر آخر، في الساعات التي وُلدتْ فيها الحضارات.
وليملأْ غناؤك أسماع الدنيا أعنفَ وأقوى من هذه الجوقات الصاخبة التي قامت هنالك.
ها هم ينصبون الآن على باب المدينة التي تستيقظ السوقَ وملاهيَه، لكي يُميلوا هؤلاء الذين جاؤوا على إثرك، ويُلْهُوهم عن ندائك.
وها هم قد أقاموا المسارح والمنابر للمهرِّجين والبهلوانات، لكي تُغطِّي الضجة على نبَرات صوتك.
وها هم قد أشعلوا المصابيح الكاذبة لكي يحجبوا ضوء النهار، ولكي يطمسوا بالظلام شبَحَك في السهل الذي أنت ذاهب إليه.
وهاهم قد جمَّلوا الأصنام ليُلحِقوا الهوان بالفكرة.
ولكنَّ شمس المثالية ستتابع سيرها دون تراجُع، وستعلن قريبا انتصار الفكرة وانهيار الأصنام، كما حدث يوم تحطَّم هُبَل في الكعبة.” (مالك بن نبي، شروط النهضة).
كان الشهيد عبد الله الحامد من أولئك المثاليين الحالمين الذين لا ينامون على الضيم، ولا يُقيمون على الذل، ويرون بوارق الغد المشرق خلفَ حُجُب الليل البهيم. وما أكثر ما كان يردد أن “الحُلْم هو بداية الطريق”، وأن “كلّ من سار على الدرب وصَلَ”، وأن “النهر يَحفُر مجراه.”
في بعض الظروف غير المواتية، يتعيَّن على الأبطال أن يقاوموا، “لا من أجل البقاء، ولكن في سبيل الخلود” كما يقول مالك بن نبي في (شروط النهضة). وقد كان عبد الله الحامد من أولئك الأبطال، المراهنين على الخلود، المحدِّقين في أفُق الأبَديَّة. ولعله كان على مذهب الإمام الحضرمي، قاضي دولة المرابطين، الذي كتب في ختام كتابه (الإشارة في تدبير الإمارة) هذه الحكمة، التي لا يعبأ صاحبه بانتصارٍ أو انكسارٍ، ما دام الحق دليلَ درْبِه: “فالحقُّ ظِلٌّ ظليلٌ، والباطل منقطعٌ قليلٌ، وحقٌّ مغلوبٌ خيرٌ من باطلٍ غالبٍ.”

(المصدر: الجزيرة نت)

زر الذهاب إلى الأعلى