مدرسة الصيام : سيد محمد أبيطات

02: انتساب بالقلب والقالب

ماذا يعني أن تكون صائما؟
هل يعني ذلك أن تترك شهوة الفم والفرج فقط وما يقوم مقامهما؟ ثم تفعل بعد
ذلك ما بدا لك!!
كلا، إن للصوم حقيقة شرعية أخرى هي التي شرع من أجلها، إنها عملية تشترك
فيها جميع الجوارح، فبالإضافة إلى الإمساك عن المفطرات من أكل وشرب
وجماع…، يصوم القلب عن وساوس الشيطان وخطرات السوء وأمراض القلوب، فلا
يكون فيه أثر للجشع وحب الدنيا والحسد والرياء والتوكل على غير الله…،
وتصوم العين عن النظر الحرام، وتصوم الأذن عن سماع الغيبة وصوت الشيطان،
وتصوم اليد والرجل عن البطش والظلم وسائر المحرمات… وهكذا بقية
الجوارح.
وهذا المعنى أكده النبي صلى الله عليه وسلم لأمته فعن أبي هريرة رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به
والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» رواه البخاري (6057).
وفي هذا دلالة واضحة على أن من لم يترك المعاصيَ لم يصلْ إلى حقيقة
الصوم، ولو طال جوعه، واشتد عطشه، “ودل قوله صلى الله عليه وسلم: (فليس
لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) على أن الزور يحبط أجر الصائم، وأن من
نطق به في صيامه كالآكل الشارب عند الله تعالى في الإثم، فينبغي تجنيبه
والحذر منه لإحباطه للصيام الذي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن الهم
تعالى أنه قال فيه: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فأنه لي وأنا أجزي به)
فما ظنك بسيئة غطت على هذا الفضل الجسيم والثواب العظيم؟” شرح صحيح
البخاري لابن بطال (9/ 250)

فمن لم يستطع كبح جماح نفسه عن المحرمات، وعَجَز عن الانتصار على رغبات
النفس ودواعي الهوى فهو في الحقيقة غير صائم، كما أوضحه الحديث الآخر عن
أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس
الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابَّك أحد أو
جهل عليك فلتقل: إني صائم، إني صائم” رواه ابن خزيمة (1996) وصححه
الألباني.
قال الداودى: “تخصيصه في هذا الحديث أن لا يرفث ولا يجهل، وذلك لا يحل في
غير الصيام، وإنما هو تأكيد لحرمة الصوم عن الرفث والجهل، كما قال تعالى:
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ
خَاشِعُونَ) [المؤمنون: 1، 2] ، والخشوع في الصلاة أوكد منه في غيرها،
وقال في الأشهر الحرم: (فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) [التوبة:
36] ، فأكد حرمة الأشهر الحرم، وجعل الظلم فيها آكد من غيرها، فينبغي
للصائم أن يعظم من شهر رمضان ما عظم الله ورسوله، ويعرف ما لزمه من حرمة
الصيام” شرح صحيح البخاري لابن بطال (4/ 24).
قال أبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي:
إذا لم يكن في السمع مني تصاون … وفي بصري غضٌّ وفي منطقي صَمْتُ
فحظِّي إذن من صوميَ الجوع والظما … وإن قلت إني صُمْتُ يوماً فما صُمْتُ
وقد بين الله سبحانه الحكمة من فرض الصوم في قوله: {يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، قال
ابن عاشور: “وقوله: لعلكم تتقون بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع، فهو في
قوة المفعول لأجله لكتب…. وإنما كان الصيام موجبا لاتقاء المعاصي، لأن
المعاصي قسمان، قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغصب
فتركه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله والموعظة بأحوال الغير،
وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب وعن الشهوة الطبيعية
التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها، لأنه يعدل
القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي، ليرتقي المسلم به عن حضيض
الانغماس في المادة إلى أوج العالم الروحاني، فهو وسيلة للارتياض بالصفات
الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية. وفي الحديث الصحيح «الصوم
جنة» أي وقاية ولما ترك ذكر متعلق جنة تعين حمله على ما يصلح له من أصناف
الوقاية المرغوبة، ففي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم ووقاية من الوقوع
في عذاب الآخرة، ووقاية من العلل والأدواء الناشئة عن الإفراط في تناول
اللذات”. التحرير والتنوير (2/ 158)

سيد محمد أبيطات

زر الذهاب إلى الأعلى