النهي عن كثرة الحلف / محمدن الربانى


قال الله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)} سورة البقرة.
أولا- تفسير الألفاظ
عُرْضَةً: بضم العين أي مانعا وكل ما يعترض فيمنع عن الشيء فهو عُرْضة، أي لا تجعلوا الحلف بالله سبباً مانعاً لكم من البر والتقوى، إذا دعي أحدكم لبرٍ أو إصلاح يقول: قد حلفت أن لا أفعله فيتعلّل باليمين .
قال الرازي: المراد النهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف به، لأن من أكثر من ذكر شيء فقد جعله عُرْضة له، يقول الرجل: قد جعلتني عُرْضة للومك.
اللغو: هو من الكلام ما لا يُعتد به
يؤْلُونَ: أي يحلفون، والمصدر إيلاء وهو في عرف الشرع يمين الزوج على ترك وطء الزوجة مدة أكثر من أربعة أشهر .
التربص في اللغة الانتظار
فَآءُوا : أي رجعوا ومنه قيل للظل بعد الزوال (فيء) لأنه رجع بعد أن تقلص .ومعنى الآية: فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك معاشرة نسائهم فإن الله غفور رحيم لما حدث منهم من اليمين على الظلم .
ثانيا- المعنى العام
تحذر الآيات المؤمنين من جعل الحلف بالله عذرا في ترك فعل الخير، فإذا سئل أحدهم عن أمرٍ فيه بر، قال: قد حلفت بالله ألاّ أفعله، فنهتهم عن التعلل باليمين فليفعلوا الخير وليكفّروا عن أيمانهم، ولا يكثروا الحلف يبتذلون اسم الله العظيم في أمور دنياهم، فإن الحلاّف مجترئ على ربه فلا يكون براً ولا تقيا. كما بينت الآيات أن الله لا يؤاخذ عباده بما يجري على ألسنتهم من ذكر اسم الله من غير قصد الحلف أو حلفهم على ما يعتقدون فيتبين خلافه، ولكن يؤاخذهم بما قصدوا إليه وعقدوا القلب عليه من الأيمان، والله واسع المغفرة، حليم لا يعاجل عباده بالعقوبة. والحكمة في الأمر بتقليل الإيمان، أنّ من حلف في كل قليل وكثير بالله، انطلق لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع، فلا يُؤمنُ إقدامه على اليمين الكاذبة، ومن كمال التعظيم لله أن يكون ذكر الله أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية.
وقد أمهلت الآيات الأزواج الذين يحلفون على اعتزال نسائهم، وعدم معاشرتهن للإضرار بهن، أمهلتهم مدة أقصاها أربعة أشهر، فإن رجعوا إلى عشرة أزواجهن بالمعروف كما أمر الله، فالله يغفر لهم ما صدر منهم من إساءة، وإن صمّموا على عدم معاشرتهن، حكم القضاء بطلقة رجعية عليهم والله سميع لأقوال عباده، عليم بنواياهم وأعمالههم.
ثانيا- أسباب النزول
روي أنها نزلت في عبد الله بن رواحة كان بينه وبين ختنه بشير بن النعمان شيء؛ فحلف عبد الله لا يدخل عليه، ولا يكلمه، ولا يصلح بينه وبين خصم له، فكان إذا قيل له فيه يقول قد حلفت بالله أن لا أفعل، فلا يحل لي أن لا أبر بيميني، فأنزل الله {ولاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} .
رابعا- الأحكام الشرعية والفوائد:
الحكم الأول: ما المراد باليمين اللغو، وهل فيه كفارة؟
اختلف الفقهاء في تعريف يمين اللغو على أقوال:
أ – قال الشافعي وأحمد: اللغو في اليمين هو ما يجري على اللسان من غير قصد الحلف، كقول الرجل في كلامه: لا والله، وبلى والله، دون قصد لليمين، وهذا التأويل منقول عن بعض السلف كعائشة، والشعبي، وعكرمة
ب – وقال أبو حنيفة ومالك: اللغو في اليمين هو أن يحلف على شيء يظنه كما يعتقد فيكون بخلافه، وهذا التأويل منقول عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد .
قال مالك رحمه الله في الموطأ: “أحسنُ ما سمعت في هذه أنّ اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد الأمر بخلافه فلا كفارة فيه”
وفي البخاري: عن عائشة رضي الله عنها قالت: “نزل قوله تعالى: {َلا يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ} في قول الرجل: لا والله، وبلى والله”. وصحح بعض العلماء أن اللغو يشمل النوعين وهو اختيار ابن جرير الطبري.
الحكم الثاني: ما الإيلاء، وما هو حكمه؟
قال ابن عباس: « كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة فوقّت الله لهم أربعة أشهر، فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمي ” واتفق العلماء على أنه لو هجرها مدة تزيد على أربعة أشهر لا يكون مؤلياً حتى يحلف لقوله تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ} أي يحلفون، وهجرانها ليس بيمين فلا يتعلق به وجوب الكفارة، ولا تطلق منه زوجته بالهجر .
واختلفوا في المدة التي تَبِيْنُ فيها المرأة من زوجها، فقال ابن عباس: إذا مضت أربعة أشهر قبل أن يفئ بانت بتطليقة، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله.
وقال مالك والشافعي وأحمد: لا تطلق بمضي المدة وإنما يؤمر الزوج بالفيئة (الرجوع عن يمينه) أو بالطلاق، فإذا امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه لقوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق} صريح في أنّ وقوع الطلاق إنما يكون بإيقاع الزوج، فلا يكفي المدة بل لا بدّ بعدها من الفيء أو الطلاق، فإن لم يطلق الزوج طلق القاضي .
الحكم الثالث: هل يشترط في اليمين أن تكون للإضرار؟
قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: يصح الإيلاء في حال الرضا والغضب لأن الآية عامة {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} فهي تشمل من حلف بقصد الإضرار، أو حلف بقصد المصلحة لولده، فالكل يشمله لفظ (الإيلاء) .
وقال مالك: لا يكون إيلاءً إلا إذا حلف عليها في حال غضب على وجه الإضرار .دليله ما روي عن علي كرّم الله وجهه أنه سئل عن رجلٍ حلف ألاّ يطأ امرأته حتى تفطم ولدها، ولم يرد الإضرار بها وإنما قصد مصلحة الولد فقال له: إنما أردتَ الخير، وإنما الإيلاء في الغضب .وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا إيلاء إلاّ بغضب .
ضب كان ذلك أو رضى فهو إيلاء « .
الحكم الرابع: ما المراد بالفيء في الآية الكريمة؟
اختلف الفقهاء في الفيء الذي عناه الله تعالى بقوله: {فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .
فقال بعضهم: المراد بالفيء الجماع فإذا لم يغشها وانقضت المدة بانت منه، وهو قول سعيد بن جبير والشعبي .وقال الجمهور: الفيء : الجماع لمن لا عذر له، فإن كان مريضاً أو مسافراً أو مسجوناً فيكفي المراجعة باللسان أو القلب .
ومن الفوائد المستنبطة من الآية أنه لا ينبغي أن يغيب الرجل عن زوجه أكثر من أربعة أشهر، روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد هذه الأبيات:
تطاول هذه الليلُ واسودّ جانبُه … وأرّقني ألاّ حبيب ألاعبُه
فوا اللهِ لولا الله لا شيء غيرهُ … لزُعْزع من هذا السرير جوانبُه
مخافة ربي والحياءُ يكفّني … وإكرام بعلي أن تُنال مراكبُه
فلما كان من الغد سأل عن المرأة أين زوجها؟ فقالوا يا أمير المؤمنين: بعثت به إلى العراق، فاستدعى نساءً فسألهن عن المرأة كم تصبر عن زوجها؟ فقلن شهرا، وشهرين، ويقلّ صبرها في ثلاثة أشهر، وينفد صبرها في أربعة أشهر، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر، فإذا مضت المدة استردّ الغازين ووجّه بقومٍ آخرين .

زر الذهاب إلى الأعلى