حكم أدعية أيام رمضان / محمد سليمان نصر الله الفرا

يَنشُرُ بَعضُ النَّاسِ أَدعِيَةً خَاصَّةً، مُوَزَّعَةً عَلَى أيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَيَقُولُ مَثَلاً: دُعَاءُ اليَوْمِ الأَوَّلِ كَذَا.. وَدُعَاءُ اليَومِ الثَّانِي كَذَا.. فَهَلْ هَذِهِ الأَدْعِيَةِ ثَابِتَةٌ؟ وَمَا حُكمُ نَشْرِهَا وَالمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا؟

الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَبَعْدُ..

يَتَلَخَّصُ الجَوَابُ عَن هَذَا السُّؤَالِ فِي النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:

#أولا: إنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ، وَهُوَ مِن أَفضَلِ العِبَادَاتِ؛ ذَلِكَ أنَّهُ قَائِمٌ علَى إظهَارِ افتِقَارِ العَبدِ لرَبِّهِ، وإخلاصِهِ لَهُ، فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ)، ثُمَّ قَرَأَ: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (سننُ الترمذيِّ 3372، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ).

#ثانيا: إِنَّ أفضَلَ الدُّعَاءِ مَا كَانَ ثَابِتاً فِي القُرآنِ، أو مَأثُوراً عَن النَّبِيِّ ﷺ، ويَجُوزُ للمُسلِمِ أن يَدعُوَ رَبَّهُ بِمَا شَاءَ مِن حَاجَاتِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، بالشُّرُوطِ الثَّلاثَةِ التَّاليَةِ:

1. ألَّا يَدعُوَ بِمَأثَمٍ؛ لِحَدِيثِ أبِي هُرَيرَةَ مَرفُوعاً: (لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ) (صحيح مسلم 2735).

2. أن يَبتَعِدَ عَن الاعتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ؛ كالتَّفصِيلِ غَيرِ المَحمُودِ فِي الطَّلَبِ، والدُّعَاءِ بِما يستَحِيلُ وُقُوعُهُ، أو يَحرُمُ فِعلُهُ، أو لَا يَلِيقُ الإقدَامُ عَلَيهِ.

3. البُعدُ عَن الابتِدَاعِ؛ ذَلِكَ أنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ، والعِبَادَةُ سَبِيلُها التَّوقِيفُ والتِزَامُ الدَّلِيلِ.

#ثالثا: مِن صُوَرِ الابتِدَاعِ فِي الدُّعَاءِ اختِرَاعُ أدعِيَةٍ مَخصُوصَةٍ، والمُوَاظَبَةُ عَلَيهَا فِي أحوَالٍ وَهَيئَاتٍ وأوقَاتٍ مُعيَّنَةٍ، دُونَ ثُبُوتِ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ فِي الكِتَابِ أو السُّنَّةِ.

قَالَ ابنُ تَيمِيَّة رَحِمَهُ اللهُ: “وَلَيسَ لأحَدٍ أَنْ يَسُنَّ للنَّاسِ نَوعاً مِنَ الأَذكَارِ وَالأَدعِيَةِ غَيرِ المَسنُونِ، ويَجعَلَهَا عِبادَةً رَاتِبَةً، يُوَاظِبُ النَّاسُ عَلَيهَا؛ كَمَا يُوَاظِبُونَ عَلَى الصَّلَواتِ الخَمسِ، فَهَذا ابتِدَاعُ دِينٍ لَم يَأذَنِ اللهُ بِهِ… فَفِي الأَدْعِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالأَذْكَارِ الشَّرْعِيَّةِ غَايَةُ المَطَالِبِ الصَحِّيحَةِ، وَنِهَايَةُ المَقَاصِدِ العَلِيَّةِ، وَلَا يَعدِلُ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الأَذْكَارِ المُحْدَثَةِ المُبتَدَعَةِ إِلاّ جَاهِلٌ، أو مُفَرِّطٌ، أَو مُتَعَدٍّ”.

(مجموع الفتاوى: 22/510، 511).

#رابعا: لَم يَثْبُتْ فِي القُرآنِ، وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَلَا فِي المَأثُورِ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ اختِصَاصُ أَيَّامِ رَمَضَانَ بِأَدْعِيَةٍ مَخصُوصَةٍ، بَل إِنَّ هَذِهِ الأَدعِيَةَ المُخْتَرَعَةَ الَّتِي يَتَنَاقَلُهَا النَّاسُ دُونَ تَثَبُّتٍ، مَأخُوذَةٌ مِنْ كِتَابِ (البلد الأمين)، وكتاب (المصباح)، وَكِلَاهُمَا للكَفْعَمِيِّ (905هـ)، وَهُوَ أَحَدُ مُعَمَّمِي الشِّيعَةَ، وَقَدْ رَتَّبُوا عَلَيْهَا أُجُوراً وَجَوَابَاتٍ بِغَيرِ دَليلٍ مَنقُولٍ وَلَا مَعقُولٍ.

وَعَلَيْه؛ فَإِنَّ هذه الأَدعِيَةَ الَّتِي تُنْشَرُ عَن كُلِّ يَومٍ بِعَيْنِهِ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ بِدعَةٌ مُنْكَرَةٌ، لَا تَجُوزُ المُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا، وَلَا المُسَاهَمَةُ فِي نَشْرِهَا، وَلَا يَلِيقُ بِالمُسلِمِ المُسَارَعَةُ فِيهَا دُونَ تَثَبُّتٍ مِنْهَا.

وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

زر الذهاب إلى الأعلى