ابن العربي، اختياراته، والملامح التربوية عنده في كتاب الصوم3/د. محمد محمود الجودة


القاضي ابن العربي المالكي , الحافظ , المستبحر ’ خاتمة علماء الأندلس , اشتهر بآرائه المثيرة , وبشدته على الموافق والمخالف معا , فهو عالم جمع بين الفقه المشرقي , و الفهم المغربي دقيق في وصفه , وتقويمه اجتمع بالكثير من العلماء في المشرق والمغرب ولشدة نباهته وفطنته يعرف الأبواب الفقهية التي لا يتقنها غير واحد أو اثنين من العلماء , بسبب جمعه بين الثقافة المشرقية , والمغربية تميزت كتبه , وصار يوجد فيها ما لا يوجد في غيرها .
فهو يسلك بك (المسالك ), ليوصلك إلى (الأحكام ), لتقتبس من (قبس ) النبوة , وكلام الأئمة , لتكون بعد ذلك أحوذيا , تستطيع فهم (العارضة ), وكل ذلك من أجل أن تكون مريدا تستضيئ (بسراج المريدين) .
سنرى ونحن في هذا الشهر المبارك , كيف نظر ابن العربي إلى أحكام الصوم , وكيف اختار بعض الأقوال , ورجحها على بعض , وكيف ربط بين الأمور التربوية , والأحكام الشرعية .
المسألة الثامنة : مسألة من أفطر ناسيا في رمضان
هذه المسألة من المسائل الفقهية التي اختلف فيها الأئمة قديما , وسبب الخلاف فيها , الأحاديث التي جاءت فيها , والتي منها قوله صلى الله عليه وسلم من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه , وفي رواية من أفطر في رمضان ناسيا فلاقضاء عليه ولا كفارة .
ولصحة هذه الأحاديث ذهب الجمهور إلى أن من أكل أو شربا في نهار رمضان ناسيا فلا قضاء عليه لأن الحديث المتفق عليه لم يذكر فيه وجوب القضاء , ورواية الحاكم جاءت صريحة في نفي وجوب القضاء عنه .
وذهب المالكية إلى وجوب القضاء عليه , وعللوا ذلك أن حقيقة الصوم قد انتفت بالأكل أو الشرب , وقاسوه على الحدث ناسيا أثناء الصلاة فهو مبطل لها لأنه مذهب لحقيقتها .
ورد عليهم غيرهم أن هذا قياس فاسد الإعتبار لوجود النص , وقد تأول بعض المالكية الحديث على أن المقصود منه نفي الإثم لا القضاء , وهو تأويل بعيد .
وابن العربي رحمه الله بعد أن قرر المذهب المالكي , وأن حقيقة الصوم لا يمكن بقاؤها مع الأكل أو الشرب ناسيا , وأن هذا أصل عظيم لا يمكن أن يرد بظاهر محتمل , قال إلا أن الدارقطني صحح فلا قضاء عليه , فإذا صحت فالقول بها واجب , وقد قرر ذلك في القبس , وفي المسالك , وهو ما يفهم منه ترجيحه لمذهب الجمهور على مذهب المالكية .
قال في القبس (قضاء من أفطر ناسياً: واختلف العلماء فيه فقالت جماعة: لا قضاء على من أفطر ناسياً، واختاره (ش) ونزع لقول النبي، – صلى الله عليه وسلم -، للسائل: “الله أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ”.
قالوا: وهذا ينفي القضاء لأنه لم يتعرض له، وحمله علماؤنا على أن المراد به نفي الإثم عنه. فأما القضاء فلابد منه لأن صورة الصوم قد عدمت، وحقيقته بالأكل قد ذهبت، والشيء لا بقاء له مع ذهاب حقيقته كالحدث يبطل الطهارة سهواً جاء أو عمداً، وهذا الأصل العظيم لا يرده ظاهر محتمل للتأويل وقد صحَّح الدارقطني أن النبي، – صلى الله عليه وسلم – قال له “الله أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ وَلَا قَضَاءٌ عَلَيْكَ” . وهذه الزيادة إن صحَّت فالقول بها واجب وقد قال فيها بعض علمائنا: أراد فلا قضاء عليك على الفور وهذا باطل. ( القبس 1/521)

ـ المسألة التاسعة : حكم صوم الضيف دون إذن مضيفه

هذه المسألة من المسائل الفقهية التي اختلف فيها الفقهاء قديما وقد ناقشوها , ونظروا فيها من ناحيتين اثنتين :
ـ الأولى من دعي , أو قدم من سفر وهو صائم تطوعا , وقدم له المضيف طعاما هل يجوز له الفطر أم لا ؟
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال :
ـ القول الأول الضيافة عذر مبيح للفطر في صوم التطوع مع المطالبة بالقضاء بعد ذلك , وهي رواية عند الحنفية
ـ القول الثاني أن الضيافة تبيح للصائم الفطر مع عدم مطالبته بالقضاء , وهو قول الشافعية , والحنابلة .
ـ القول الثالث أن الضيافة لا تبيح الفطر للصائم , وهو قول المالكية , ورواية عند الحنفية .
وسبب هذا الخلاف هو الأحاديث الواردة في الباب , فقد أخرج الدارقطني في سننه من حديث (جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – , قال: صنع رجل من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – طعاما, فدعا النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابا له, فلما أتى بالطعام تنحى أحدهم, فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم -: «ما لك؟ » , قال: إني صائم , فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم -: «تكلف لك أخوك وصنع ثم تقول: إني صائم, كل وصم يوما مكانه .

فهذا يفهم من منطوقه جواز الفطر من أجل الضيافة , وقضاء يوم مكان ذلك اليوم , وبه استدل من قال بهذا القول من الفقهاء .
ـ وجاء في الحديث الذي أخرجه الطبراني , والبيهقي من رواية أبي سعيد الخدري , وأنه دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى طعام فلما جاءوا جلس أحد القوم جانبا , وقال إني صائم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (دعاكم أخوكم وتكلف لكم, ثم تقول: إني صائم؟ , أفطر، ثم صم يوما مكانه إن شئت .
وقد استدل بهذا الحديث من قال إن الضيف يجوز له الفطر , ولا يطلب بالقضاء

ـ وجاء في حديث أبي هريرة عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم, فليقل: إني صائم .
وهذا هو الذي استدل به المالكية , والحنفية على حرمة فطر الصائم تطوعا , ولو كان ضيفا في دعوة أو غيرها .
ـ وابن العربي رحمة الله ناقش قضية صوم الضيف من ناحية أخرى , وهي هل يجوز له الصوم دون إذن مضيفه أم لا ؟
فالضيافة حق من الحقوق الإسلامية التي يدور حكمها بين الوجوب , والسنية , وفرض الكفاية وهي متعلقة بالطرفين المضيف سيتعب ويجهز مايمكن تجهيزه تحقيقا لقوله صلى الله عليه وسلم ( فليكرم ضيفه ) والضيف من الحق عليه شرعا وعقلا أن يعلم مضيفه بحاله .
وابن العربي رحمه الله يرى بأن الضيافة من فروض الكفاية , ويحكي عن بعض الناس أن حكمها يختلف , فهي واجبة في القرى لأن الأمور فيها غير متيسرة , وغير واجبة في المدن التي انتشرت فيها الفنادق , والدكاكين , ومايمكن للضيف أن يؤمن به نفسه , ولذلك لاتجب إلا في حالة ما إذا كان الضيف معدما (ولكن الضيافة حقيقة فرض على الكفاية، ومن الناس من قال: إنها واجبة في القرى حيث لا طعام ولا مأوى، بخلاف الحواضر، فإنها مشحونة بالمأويات والأقوات، ولا شك أن الضيف كريم، والضيافة كرامة، فإن كان عديما فهي فريضة.( الأحكام 3/21)

ومادامت الضيافة من فروض الكفاية , والغالب أن المضيف سيقوم بها جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي من نزل بقوم ضيفا فلا يصوم إلا بإذنهم , ومع أن هذا الحديث منكر من ناحية السند إلا أن ابن العربي رأى أن معناه صحيح , ولذلك قال في العارضة ( حديث عائشة من نزل بقوم ضيفا فلايصوم إلا بإذنهم , منكر السند صحيح المعنى لأنهم يتكلفون له فيفسد عليهم , فينبغي أن يعلمهم بذلك , حتى لايفسد معه ماهيئوا له . ( العارضة 3/247)

ـ استشكال وجوابه

مادامت الشياطين تصفد في رمضان , فلماذا نرى المعاضي خلال الشهر الكريم , هذا الإستشكال ناقشه جماعة من العلماء , وقد توصل فيه ابن العربي إلى جواب مقتضاه , أن التصفيد خاص بالمردة , ويبقى غيرهم , أو التصفيد خاص بالأيدي والأرجل , فتبقى الوسوسة , ويمكن للشيطان أن يؤثر بوسوسته على العبد من بعد (اعتراض من مستريب :
قال: إنا نرى المعاصي في رمضان كما هي في غيره، فما أفاد تصفيد الشياطين؟ وما معنى هذا الخبر؟
قلنا له: كذبت، أو جهلت، ليس يخفى أن المعاصي في رمضان أقل منها في غيره، ومن زعم أن رمضان في الاسترسال على المعاصي وغيره سواء فلا تكلموه، فقد سقطت مخاطبته، بل تقل المعاصي ويبقى منها ما بقي ، وذلك لثلاثة أوجه:
ـ أحدها أن يكون المعنى صفدت وسلسلت المردة ، ويبقى ما ليس بمارد ولا عفريت، ويدل على ذلك الحديث الآخر.
ـ الوجه الثاني: أن يكون المعنى أنها بعد تصفيدها كلها وسلسلتها، تحمل المرء على المعاصي بالوسوسة، فإنه ليس من شرط الوسوسة التي يجدها المؤمن نفسه من الشيطان الاتصال، بل هي بالبعبد صحيحة؛ فإن الله هو الذي يخلقها في قلب العبد عند تكلم الشيطان بها، كما يخلق في جسم المسحور عند تكلم الساحر، وعند تكلم العائن في جسم المعين.
ـ الوجه الثالث – قلنا: ليس من شرط التصفيد عدم الوسوسة؛ لأن الوسوسة لا تكون باليد والرجل.
فإن قيل: إذا كان هذا تأويله ، فلم يبق للحديث معنى.
قلنا: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه ليس يلزمنا معرفة معنى الحديث، ولا أن نعلل جميع الأشياء، فإن أكثر الأحاديث غير معلولة المعنى.
الجواب الثاني – أن نقول: فائدة الحديث أنهم منعوا الإذاية بأيديهم وأرجلهم من العمل والجنون والحمق وغير هذا، وهذا مقنع جدا، إن شاء الله. ( المسالك 4/248)

يتواصل …..

زر الذهاب إلى الأعلى