فتنة الصدرِ/د.الشيخ أحمد البان

في نصوص الأدعية النبوية علم وافر لا ينتبه إليه كثير من الناس، فالأمور التي يؤثر تخصيصها بالاستعاذة منها أو سؤالها في أدعية نبوية هي –لا ريب- أمور ذات شأن عظيم، إما لكونها من أدواء النفوس الملازمة أو من فتن الحياة المغرية أو من أحابيل الشيطان الخفية.


ومن الأدعية التي تستوقفني دائما استعاذته صلى الله عليه وسلم من (فتنة الصَّدْرِ)، فقد جاء في سنن أبي داود وفي النسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من خمس منها (فتنة الصدر).


ويبدو أن هذا التركيب الإضافي أشكل على شراح الحديث فأولوه تأويلات عامة جدا أحيانا ومتباينة أحيانا أخرى، فقد ذهب ابن الجوزي إلى أن (فتنة الصدر) هي أن يموت غير تائب،وقيل: ما ينطوي عليه الصدر من غل وحسد وخُلُق سيئ وعقيدةٍ غير مرضية، وقال الطيبي: هي الضيق المشار إليه بقوله تعالى: “وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرجًا”، وقال وكيع فتنة الصدر أن يموت الرجل، وذكر وكيع الفتنة لم يتب منها.


وهي أقوال كما ترى تنطلق من أن الصدر في الحديث هو الجارحة المعروفة، ولكنني بعد التأمل ظهر لي أنه ربما يكون المقصود بـ”فتنة الصدر” الواردة في الحديث فتنة التَّصدُّر بمعنى الرئاسة والصدارة في شأن العامة، وهي من أعظم الفتن الخفية.


ومما يرجح هذا الرأي لدي أن الشارع غالبا ما يستخدم كلمة (القلب) أو (النفس) في مثل تلك المعاني المتعلقة ببواطن الأخلاق والاتجاهات النفسية، وليس من عادته استخدام كلمة (الصدر).
أما المرجح الثاني –وهو استئناس- فهو أن هذا يكاد يكون الدعاء المأثور الوحيد الذي فيه استعاذة من هذه الفتنة العمياء، أي فتنة التصدر لشأن العامة.
وهو رأي تقبله اللغة فصدر الناس مقدمُهم، وصدور القوم أشرافهم وأعيانهم ومن يتصدرون شأنهم.
وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه واعيا بخطورة “فتنة الصدر” بهذا المعنى على ناشئة أبناء الصحابة الكرام، وكان بوعيه النفسي والاجتماعي يدرك أنه لا عصمة منها إلا بالعلم، وذلك قوله: “تعلموا قبل أن تسودوا”، والتعلم في مقولة عمر هذه لا يعني العلم النظري فقط، ولكنه يعني زيادة على العلم النظري علمَ التجربة التربوية والنفسية والاجتماعية، فذلك هو العلم الذي يعصم صاحبه من أن يستخفه بريق الشهرة أو ألق المزايا المادية.
ومن السنن الحسنة التي تركها الإمام البنا في الإخوان المسلمين أنهم كانوا قديما في زمانه إذا أرادوا تقليد أحدهم منصبا يؤهله للتصدر للعامة وتعرضه لفتنة الشهرة نظروا في تاريخه التربوي أولا ثم الحركي ثانيا، قبل أن ينظروا في كفاءته المهنية، وذلك والله أزكى وأرشد من تقليد أصحاب البداهة التربوية والتجربة المتواضعة مناصب يفسدون بها دنيا غيرهم وتفسد عليهم آخرتهم.
اللهم إنا نعوذ بك من فتنة الصدر.

زر الذهاب إلى الأعلى