“علامات ليلة القدر” /سيدأحمد سيد الخليل


الليلة ليلة الجمعة ومن الأوتار؛ لذلك فاحتمال أن تكون ليلة القدر وارد جدا؛ وما أحسن أن تكون ليلةُ الجمعة ليلةَ قدر فيزكو العمل؛ ويكبر الأمل.
ليلة القدر، تلك الليلة التي يشتاق إليها جميع المسلمين، حقيقة ثابتة، لا مقطوعة ولا مرفوعة، لكن علم عينها بالضبط غير معروف، للأسباب التي ذكرناها سابقا؛ ومع ذلك فقد ذكر لها في الشرع علامات يستأنس بها.
ومن أهم تلك العلامات:
1 ـ كون ليلتها طلقة لا حارة ولا باردة.
2 ـ كون صبيحتها مطيرة، وهذه قد تكون خاصة بالليلة التي ريئت فيها على عهد رسول اللله صلى الله عليه وسلم.
3 ـ كون القمر ليلتها يظهر كشق جفنة أي نصفها، وهذه إشارة إلى أنها في آخر الشهر، لأن تلك حالة القمر حينئذ.
4 ـ كون الشمس صبيحتها تطلع بيضاء نقية لا شعاع لها.
في العلامة الأولى، يقول الإمام ابن بطال:
(….لأن ذلك لو كان محصورًا على ليلة بعينها لكان أولى الناس بمعرفتها النبى عليه السلام مع جده فى أمرها ليعرفها أمته، فلم يعرفهم منها إلا الدلالة عليها أنها ليلة طلقة، لا حارة ولا باردة، وأن الشمس تطلع فى صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، ولأن فى دلالته أمته عليها بالآيات دون توقيفه على ليلة بعينها دليل واضح على كذب من زعم أنها تظهر في تلك الليلة للعيون ما لا يظهر فى سائر السنة من سقوط الأشجار إلى الأرض، ثم رجوعها قائمة إلى أماكنها؛ إذ لو كان ذلك حقا، لم يخف عن بصر من يقوم ليالي السنة كلها، فكيف ليالى شهر رمضان).
ويشهد للعلامة الثانية ما أخرجه مسلم في صحيحه أَنَّ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِى صُبْحَهَا أَسْجُدُ فِى مَاءٍ وَطِينٍ قَالَ: فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْصَرَفَ وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ”.
قال القاضي عياض:(وقوله: ” وأرانى أسجد فى صبيحتها فى ماءٍ وطين “: علامة جعلت [له] تلك السنة – والله أعلم – ليستدل بها عليها، كما استدل بالشمس وغيرها).
ويشهد للعلامة الثالثة ما أخرجه مسلم أيضا “عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رَضِىَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ: تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ” أَيُّكُمْ يَذْكُرُ، حِينَ طَلَعَ الْقَمَرُ، وَهُوَ مِثْلُ شِقِّ جَفْنَةٍ؟ “.
قال القاضي عياض: (وقوله: ” حين طلع القمر كأنه شق جَفْنَةٍ “: أى نصف، يدل أنها لم تكن إلا فى آخر القمر، إذ لا يكون بهذه الصورة فى أوله عند طلوعه ولا فى نصفه عند تمامه…)
ويشهد للعلامة الرابعة ما أخرجه مسلم أيضا عن أبي بن كعب رضي الله عنه “…فَقُلْتُ: بِأَىِّ شَىْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ: بِالْعَلَامَةِ، أَوْ بِالآيَةِ الَّتِى أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا تَطْلُع يَوْمَئِذٍ، لَا شُعَاعَ لَهَا”. وفي رواية لمسلم أيضا أن أبيا رضي الله عنه قال:”وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِى صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لا شُعَاعَ لَهَا”.
ولكن ما هو السبب في غياب شعاع الشمس في صبيحتها؟
قال الحافظ ابن عبد البر:(قال بن عباس: إن الشيطان يطلع مع الشمس كل يوم إلا ليلة القدر وذلك أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها)
وقال القاضي أبوبكر بن العربي:(…أخبرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، بآية أن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، كأن الأنوار المفاضة في الخلق تلك الليلة تغلبها).
وقال القاضي عياض:(قال القاضى: وقول أبىٍّ فى أمارتها: ” أن تطلع الشمس فى صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها “: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن هذه الصفة اختصت بعلامة صبيحة الليلة التى أنبأهم النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها ليلة القدر، وجعلها دليلاً لهم عليها فى ذلك الوقت، لا أن تلك الصفة مختصة بصبيحة كل ليلة قدر كما أعلمهم أنه يسجد فى صبيحتها فى ماء وطين.
والثانى: أنها صفة خاصة لها، وقيل فى ذلك لما حجبها من أشخاص الملائكة الصاعدة إلى السماء الذى أخبر الله بتنزيلهم تلك الليلة حتى يطلع الفجر، والله أعلم).
وقال القاضي عياض أيضا في موضع آخر (وقوله فى أن: ” الشمس فى صبيحتها لا شعاع لها “: قيل: علامة جعلها الله لها، وقيل: بل لكثرة اختلاف الملائكة فى ليلتها، ونزولها إلى الأرض وصعودها، بما تنزلت به من عند الله، وبكل أمر حكيم، وبالثواب والأجور، سترت أجسامُها اللطيفة، وأجنحتها شعاعها، وحجبت نورها).
وهذا الكلام كله يدل على عظم هذه الليلة وشرفها، فالكون من السماوات والشمس في حالة طوارئ، أما الإنسان فقد يكون يلهو ويلعب، وأحسن حالاته أن يكون في سبات عميق، اللهم لطفك.

ملحوظة:

يؤخذ من كلام ابن بطال المتقدم بطلان ما هو شائع عندنا مما يشاهده من وُفق لقيام ليلة القدر من أمور خوارق ونحوها، وهو ما يصطلح عليه أهل منطقنا بقولهم ” فلان انشگ اعليه لكدر”!!
لا أدري هل هي أسطورة عامة في بلادنا أو خاصة ببعض المناطق دون بعض… المهم أنه لا أساس لها.
اللهم إنا نسألك أن تكون كتبنا من عتقائك من النار في هذا الشهر الكريم.

زر الذهاب إلى الأعلى