ٱيات الأنعام التي تتحدث عن الكواكب/د. الشيخ أحمد البان

في محاضرتي البارحة حول “تعاضد الغرض الديني والتصوير الفني في القصص القرآني” ورد سؤال من أحد الفضلاء المتابعين حول آيات الأنعام التي تتحدث عن تأملات إبراهيم عليه السلام في الكواكب والتي بدايتها قوله عز وجل: “وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ” إلى قوله عز وجل:”إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ”.
سأل الأخ الفاضل هل كان إبراهيم عليه السلام يبحث عن ربه حقيقة أم أن هذا مجرد أسلوب جدال ومناظرة مع قومه، وقد وعدته والمتابعين أن أنشر لهم كلمة كنت كتبتها قبل سنوات حول الموضوع، فأقول وبالله التوفيق:
لم يكن إبراهيم عليه السلام مشركا كما أكد ذلك القرآن في أكثر من موضع وكما نفاها هو عن نفسه في قوله:(وما أنا من المشركين)، وليس بعد قول الله قول. هذا أولا. ثم إن الخلاف قديم هل ما في آيات الأنعام مقام نَظَرٍ أو مقام مناظرة، والمروي عن ابن عباس يقتضي أنه مقام نظر كما قال ابن كثير، ولكنه -أي ابن كثير- رجح أنه مقام مناظرة، وهو قول كثير من جلة العلماء والفقهاء.
وبغض النظر عن ما سبق فإن بعض المفسرين ارتكب تعسفا في توجيه آيات الأنعام لم أقتنع به، حيث قالوا بأن هناك همزة استفهام مضمرة، فالسياق لا يقبل -في نظري القاصر- إضمار الاستفهام بسلاسة، رغم جواز ذلك لغة كما هو معروف.
وقد وجدت في تمهيد القرآن لحوار إبراهيم مع النجوم والقمر بقوله(وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) إشارة إلى معنى قد يكون أقرب إلى طبائع النفس البشرية وأشد انسجاما مع منطوق وسياق الآيات(آيات الأنعام).
ذلك بأن اليقين يمثل مرحلة حسم الموقف بعد مرحلة التردد، فمساءلة إبراهيم الفتى النابه لمعبودات قومه هو تعبير عن قلقه الفطري من الشرك، ولكنه لم يتلق برهان ربه بعد، وهذا القلق الفطري لا يقتضي وجود الإيمان، وإن كان يؤكد نفي استمراء الشرك والاطمئنان إليه.
وهذا العقل المتطلع إلى اليقين وهذه الروح المشرئبة لمزيد عرفان سمةٌ في شخصية إبراهيم عليه السلام كما تدل على ذلك هذه الآيات وآيات البقرة(وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى؟) الآية.

إن القرآن يعرض لنا شخصية إبراهيم عليه السلام فتى يافعا لم تقنعه آلهة قومه وأبيه منذ البداية، وفطرته الكامنة تلح عليه بالبحث عن الله، فطرته النقية تنفر من الشرك والكفر، وعقله الفتي الوثاب لا يستسيغ عبادة تلك الأجرام والأصنام، فهو قلق متحير، والظاهر – فيما أرى – أنه حينها لم يكن عنده تصور شامل مفصل عن (الله).
وهذا هو المنسجم مع طبيعة النفس البشرية، وللأنبياء والرسل عليهم السلام مزيد عناية من الله، وهل هم معصومون قبل الوحي وبعده، أم أنهم معصومون بعده فقط، وهل هم معصومون من الكبائر والصغائر معا قبل وبعد ذلك خلاف مشهور.
والفطرة – كما هو معلوم – هي ذلك الإحساس الكامن في تلافيف النفس بوجود إله، لكنها لا تفصل طبيعته ولا صفاته، ولا تعبر عن ذلك الرب الكامن فيها إلا من خلال النفرة من غيره، حتى تجد ربها الحقَّ وتعرفه فيستقر بها النوى وتستأني راضية مرضية.
كان إبراهيم عليه السلام قبل النبوة نقي السريرة سوي الفطرة على ما ذكرته عن الفطرة قبل قليل، ولكنه لم يكن يمتلك مصادر أخرى توسع دائرة بحثه عن الله – حيث قومه بدائيو التصور عن الله – فما كان منه إلا أن وضع الآلهة المقدسة عند قومه أمام سؤال الشك المنهجي، كي يخرجها من حساب الآلهة بالمنطق الفلسفي كما هي خارجة منه بالفطرة النفور من الشرك، وكلما انتفت إلهيةُ صفات الأغيار (الأفول الدال على عدم القيومية) استبانت صفات الإله الحي القيوم، ولذلك كانت خاتمة تلك التأملات “قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ”
ولا يقاس حال النبي صلى الله عليه وسلم على إبراهيم عليه السلام، إذ نبينا جاء في فترة نضج فيها تصور البشرية عن الله عز وجل بفعل تعاقب رسالات كبيرة هما اليهودية والنصرانية، فصفات الله وأسماؤه وعلاقته بالخلق كلها معروفة في المخيال الجمعي للبشرية حينها وخصوصا الجزيرة العربية التي كان سكانها يعايشون اليهود والنصارى مساكنة ومتاجرة.
إذن لم يكن النبي صلى الله عليه يحتاج لغير رياضة روحية (تحنثه في حراء) عرفانية، أما الوعي والإدراك فكان حاصلين حتى لعبدة الأوثان(ليقولن الله)(ليقربونا إلى الله زلفى).

إذن قام إبراهيم عليه السلام بإخضاع تلك الآلهة المزعومة غير المقنعة لعقله وغير المُطَمْئِنَة لفطرته، قام بإخضاعها للتجريب، واحدة تلو الأخرى في مدة (يوم كامل) فيما يظهره السياق، ثم ظهر نقص كل واحدة منها حين افتقدت أهم ما كان في وعيه من صفات الإله الحق وهي (القيومية) التي تناقض (الأفول) وصفة العظمة التي كان مظهرها ماديا في وعيه وإدراكه، حسب ما أفهم من قوله(هذا أكبر).

وعند أفول الكوكب الأول ازداد شكه ومعرفته بأن هذا الكوكب غير صالح للعبادة، ولكنه رأى القمر أكثر بهاء وسناء فقال (هذا ربي) فلما أفل هو الآخر ضجر من تكرر الظاهرة، فنادى بصوت الفطرة(لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين), وهو تعبير يظهر فيه يقينه بسقوط الآلهة المزعومة (القمر) من حسبانه واعتباره، وكأنه أمام جمال القمر وبهائه كان اقتنع قليلا بصلاحيته، فلما غاب اشتدت حيرته وقلقه.

فجرب الشمس حين بزغت لعلها تأتي بمزيد إقناع وصلاحية لأن تكون الرب، وعند أفول الشمس التي حازت ميزة (الكبر المادي) على بقية الأجرام، عند أفولها فكر في ما وراء ظاهرة الأفول المطردة هذه، فتطابقت فطرته عليه السلام مع وعيه وأشرق الإيمان الموقن:(إني وجهت وجهي الذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين).

إن آيات البقرة قد تؤكد ما ذهبنا إليه عن طبيعة نفسه، تلك النفس الواسعة التي لا ترتوي من معرفة ربها فتظل تبحث عن مقام أعلى ويقين أكبر، (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ )، إن دافع إبراهيم لهذا الطلب هنا ليس نابعا من شكه في قدرة الله على إحياء الموتى، ولكنه نابع من التطلع المؤمن إلى مزيد معرفة يؤدي إلى مزيد يقين، والله أوسع من أن يحيط به فكر حتى لو كان فكر نبي خليل.

إن الموقفين السابقين ينسجمان بتطابق مع الصفات التي ذكرها القرآن لشخصية إبراهيم عليه السلام، وهي صفات الحلم الكبير والقلب السليم الأواه المنيب، إن خلق الحلم لا يتسم به إلا صاحب نفس سجحاء واسعة، قادرة على تحمل وصبر ما يضيق به غيرها من ذوي النفوس الكزيزة، وإن صفات (الأواه المنيب) تنسجم مع طبيعة تلك النفس الجريئة المتوفزة بحثا عن ما يروي ظمأها لخالقها الذي اصطفاها وأكرمها بالنبوة والخلة:( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).

زر الذهاب إلى الأعلى