العيديات المُعَلَّبة/د. الشيخ أحمد البان

مع إشراقة كل عيد تنهال عليك التهانئ، تصميمات مزخرفة، اللهم إني أكره تلك الزخرفات الباردة، وكلمات مرصوفة كجدار أقامه جاران بينهما كي ينهيا الخصام الأبدي للحدود.
رسالة/تهنئة تمسحها عيني سريعا كما تمسح العابرين في الشوارع، أعرف أنهم عابرون، وأعرف أن أحدهم حينما يبتسم في وجهي إنما يفعل ذلك كي اسمح له بالعبور، اعبر بسلام وأخْفِ عني أسنانك القشدية اللون، إنها تشبه ابتسامات الموتى.
تلك التهانئ الباسمة تشبه بسمات العابرين، أشعر أنها تعبرني فقط في طريقها إلى آخرين، لذلك لا أكلف نفسي عناء الرد على تلك المشاعر المعلبة، إلا في حالات الحرج القصوى، فليس لدي سوى مشاعر طازجة لا تجوز مبادلتها بغير جنسها، فشريعة العواطف تقول: فإذا اتحدت الأجناس فبيعوا كيف شئتم.
أنا أريد رسالة تهنئة تكون لي، تهنئة تقف عندي لا تريم، تقول لي كلماتها البسيطة إن هذا الإنسان يهنئك ويشعر بك، تقول لي إنه قد فكر فيك قبل أن يكتب وتذكرك لأنك مقيم بين ضلوعه أخا كريما أو صديقا عزيزا أو إلى آخره.
أتذكر أنني قبل سنتين أو ثلاث أصبت بداء تعليب التهانئ العيدية، وأرسلت كما هائلا لقائمة فيها أكثر من مائتي شخص، ثم أدركت خطئي وأمسكت عنها بعد ذلك.
لدي بعض الأحبة أهنئهم في المناسبات بطريقتي الخاصة التي تشعرني بالقرب منهم أكثر، قد أكتب إلى أحدهم غداة العيد الرسالة الآتية:
“كيف وجدت طعم الشاي ضحى بعد ثلاثين يوما من الصوم؟”، وقد أكتب إلى آخر: “أعرف أنك غير محتف بالعيد فأنت رجل دافر، والدافرون يكرهون مواسم الأعياد”.
هذه المشاغبات أفضل عندي مع الأصدقاء من تهانئ تطبيقات التصاميم الميتة جسدا وروحا، المهم أن تكتب رسالة بلغتك ومشاعرك لأحبتك، وأن تكتب لكل واحد منهم رسالته الخاصة، لأن لكل واحد منهم مشاعره الخاصة وعلاقته بك الخاصة كذلك.
هناك آخرون كبار في السن أو تربطنا بهم علاقات عمل أو مجتمع، هؤلاء لا يشفي الغليل في تهنئتهم إلا مكالمة صوتية حية (ليست عبر الواتساب).
وهناك من هم في الشغاف فما بيننا وبينهم أكبر من تهنئة يوم، أولئك الذين سكنوا القلوب فهم في تهنئة دائمة ونحن بوجودهم في أعياد متواصلة.
وما أجمل أن يخبرك إنسان بأنه أنتج هذا التصميم الجميل ليهنئك في عيدك، أو أنه طلب مصمما أن ينتجه له، تلك مقامات أهل الذوق والمشاعر الجميلة، وهيهات أن يدركها المعلِّبون.
عيد سعيد

زر الذهاب إلى الأعلى