الفتوى المعاصرة، بين تصور عقود الآحاد واستحضار آثارها الجماعية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد فإنه في ظل تشابك الحياة المدنية المعاصرة، والتأثير الجماعي – الكلي الذي تحدثه آحاد العقود ومفردات المعاملات على مختلف جوانب هذه الحياة، فإن الملكة الفقهية تفرض على الفقيه المفتي أن ينظر إلى المسائل المعروضة عليه والنوازل المحالة إليه بعينين اثنتين:

– عين تبحث عن التكييف الواقعي والحكم الشرعي لآحاد المسائل ومفردات النوازل، من حيث الجواز والصحة من عدمهما.

– وبعين أخرى ترى من زاية أوسع وتنظر بنظرة أشمل إلى مآل آحاد المسائل تلك ومفردات النوازل هذه، وماذا عسى أن يكون بهذه الوحدات لو ركبت والحوادث إذا تعددت؟


فرب مسألة تصح في حالة الانفراد فقها وتجوز في حالة الانعزال عن الواقع عقلا، لكنها بالتركيب مع أشباهها وتكرار تطبيقها مع نظائرها، تقود – بالضرورة – إلى مفاسد واضحة وأضرار ماثلة، لا يناسب تصرفات الشارع إلا حسم مادتها وسد ذريعتها.


ومن هذا الباب، النظر لآحاد المسائل ومفردات النوازل التي تندرج – بالعموم – تحت أصل من أصول المفاسد ومعقد من معاقد الإضرار، مثل تصحيح الفقيه لصيغ آحاد عقود المعاملات الواقعة بين المهربين، أو لمفردات التصرفات الصادرة عن المتهربين.


أو تنظيره لحكم آحاد المسائل التي أصبحت – أو توشك أن تصبح – ظواهر اقتصادية أو اجتماعية، بعيدا عن النظرة الشاملة للحالة المركبة لهذه الآحاد وتراكم آثار تكرارها في الحياة العملية، والله تعالى أعلم.
د. محمدن ولد محمد غلام

زر الذهاب إلى الأعلى