رحلة الشعراء العشاق/ باته بنت البراء

إنها رحلة أبدية مضنية يتناقلها الرواة صاغرا عن كابر، ويتذاكرها المتظرفون في مجالس السمر، وبلاطات الساسة
والخلفاء، وتحفظ سرها أوراق الكنانيش، لتصبح يوما مادة لبحث، أو عنوانا لكتاب.

تأتي تلك الرحلة نقطة تحول عتيدة في حياة الشاعر، فيألف من الأشياء ما كان ينفر منه، ويستلذ الألم وهو الذي يعاني الأرق والهم، ويتعلم تلوين الصورة بألوان الطيف، بعد أن كان يرسمها بالأبيض والأسود.
إن هذه الرحلة الوجدانية مس من جنون، أو طيش بعد تعقل، أو إصابة من ساحر عليم.

وما أجمل ما عبر عنها أبو صخر الهذلي حين يقول:

أَمَا وَالَّذِي أبْكَـى وأَضْحَـكَ، وَالَّــذِي
أَمَـاتَ وأَحْـيَـا، وَالَّذِي أمْــرُهُ الْأَمْــرُ
لقد كُـنْتُ آتيهَا وفي النَّفْسِ هَجْرُهَا
بَـتَـاتًـا لِأُخْرَى الدَّهْـرِ، مَا طَلَعَ الْفَجْرُ
فَـمَـــا هُـــوَ إلَّا أنْ أَرَاهَـــا فُـجَــاءَةً
فَـأُبْـهَــتَ؛ لَا عُــرْفٌ لَــدَيَّ وَلَا نُكْــرُ
وَأَنْسَى الذِي قدْ كنتُ فيهِ هَجَرْتُـهَا
كَـمَـا قَـدْ تُـنَـسِّي لُبَّ شَارِبهَا الْخَمْرُ

هي ذات الرحلة، ونفس المس الذي أصاب عليا بن الجهم فلقنه أبجديات الشعر، وتلوين الصورة، وهو الذي ألف في سالف قوله المناظر الكالحة، والبيئة القاسية.
فما هي إلا رحلة إلى بغداد، وأيام تَمَشٍّ على ضفة دجلة، يراقب الأوانس غاديات رائحات، حتى يطوف به طائف الحب فيجهر بالقول:

عُيُونُ الْـمَـهَـا بَـيْنَ الرُّصَافَـةِ وَالْـجِسْـرِ
جَلَـبْـنَ الْهَوَى مِنْْ حَيْثُ أدْرِي وَلَا أدْرِي
أَعَـدْن لِـيَ الشَّـوْقَ الْـقَـدِيمَ وَلَــمْ أَكُـنْ
سَلَـوْتُ، وَلَكِـنْ زِدْنَ جَـمْـرًا عَلَى جَـمْـرِ
وَقُـلْـــنَ لَـنَـــا: نَـحْــنُ الْأَهِــلَّـــةُ؛ إنَّـمَـا
نُـضِيءُ لِـمَـنْ يَـمْـشِي بِـلَـيْـلٍ وَلَا نَقْرِي

ولم يزد عصرنا الحديث هذه الرحلة إلا تعقيدا وصعوبة وصول، فالشاعر نزار قباني قد شد أسباب السفر، وكان سندباد الموانئ، فما أوفى إلى مبتغاه، وظل متخطفا بين المراكب والأشرعة:

زَيْـتِـيَّـةَ الْعَـيْـنَـيْنِ لَا تُغْلِـقِي
يَـسْلَـمُ هَذَا الشَّفَقُ الْفُسْتُقِي
رِحْلَتُنَا فِي نِصْفِ فَـيْـرُوزَةٍ
أَغْـرَقَـتِ الدُّنْيَا، وَلَمْ تَغْـرَقِ!
فِي جُـزُرٍ تَبْحَثُ عَنْ نَفْسِهَا
وَمُـطْـلَـقٍ يُـولَدُ مِنْ مُطْلَـقِ
مِـنْ ألْـفِ عَـامٍ وَأنَــا مُـبْحِـرٌ
وَلَـمْ أصِلْ وَلَـمْ يَصِلْ زَوْرَقِي.

وتأتي رحلة الشاعر محمد ولد إمام محملة بمواجع المحبين، ممهورة بنكهة محلية لا تخطئها العين.
إن أوراق عشقه تكشف سيرته الأولى، فهو يأتينا نذيرا ناصحا بين شوقٍ وشوقٍ، لقد خبر رحلة الحب، فأهاب بكل من تُسَوِّل له نفسه اعتناقَ الرحلة، أن يَتَعَقَّلَ وَيَتَرَوَّى؛ فالطريق صعب، والمورد جدب.
هكذا تتتالى الأوامر والنواهي في مفتتح النص: (اربط- استبق- ابعد)، كيف لا؟ والشاعر القديم في الحب يعطينا ثمرة تجاربه وخلاصة رحلاته.
لقد أذهلته سمرة اللمى وذهبت بعقله، وأوهت قواه البسمة اللؤلئية، واللمعة البرقية، فظل قعيد الوصل المستحيل حتى تقدم به العمر، وأرهقه الانتظار، وحينها لجأ إلى الأوراق ليكتب سفره الخالد، ويَدَّكِرَ ويتذكر مآله المحتوم، ثم يؤوب إلى ربه طالبا العفو والمغفرة.
إنه عاشق قديم يدخل سجل الخالدين ممن سبقوه، فعرفوا لوعة الحب، و صوروا باللغة المجنحة والصورة الآسرة، مرارة الحرمان، وأسفار العشق.

نعم، إن الشاعر العاشق هو من كتب الحياة سفرا، وعانى مواجعها دهرا، فترك لنا تلك الأهازيج التي ننعم بترديدها، وَنَحِنُّ إلى مزيدها.

زر الذهاب إلى الأعلى