المطالعة..كسر للحجر/ عبد الحميد الرباني

لقد علمتني أيام الكورونا ( ودروسها كثيرة جمة ) أن هناك نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس أولاهما ملازمة الحجر وثانيهما مجاورة الكتب

إن تعطيل فايروس كورونا للحياة كان مجرد تعطيل على المستوى المادي أما على المستوى الفكري فقد أتاح الفرصة – من حيث لا يدري – لكل من لديه رغبة كامنة في تنمية ثروته الفكرية وذلك بالتنزه في عقول الآخرين عن طريق المطالعة والبحث والقراءة .

إن المطالعة هي غذاء العقل كما أن الأكل غذاء الجسد ، وإن العيش بين طيات الكتب في هذه الفترة يعد من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى التخفيف من وطأة الحجر وهو كفيل بأن يحول النقمة إلى نعمة .

في كتابه المهم ” شباب جنان ” يتحدث الدكتور خالد أبو شادي عن الوقت باعتباره سفينة مركوبة بحرها الدنيا ووجهتها القبر ويدعم ذلك بقول الشاعر :

وما المرء إلا راكب ظهر عمره *** على سفر يفنيه باليوم والشهر
يبيت ويضحي كل يوم وليلة *** بعيدا عن الدنيا قريبا إلى القبر !

إن من يطالع سير المصلحين يجد أن السر وراء تميزهم يكمن في استثمار الأوقات والفراغات ولهذا نجد أن أغلب رسائلهم تحث على استغلال الطاقات المعطلة لدى الإنسان ، يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله :

” اعلم أنه في كل نفس ينبسط وينقبض نعمتين ، إذ بانبساطه يخرج الدخان المحترق من القلب ولو لم يخرج لهلك الإنسان ، وبانقباضه يجمع روح الهواء إلى القلب ولو سد متنفسه لمات بانقطاع الهواء عنه وهلك بل اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة ، وفي كل ساعة قريب من ألف نفس ، وكل نفس قريب من عشر لحظات ، فعليك في كل لحظة ألف ألف نعمة في كل جزء من أجزاء بدنك بل في كل جزء من أجزاء العالم ”

لقد كان رسولنا الكريم – وهو المعلم الأول عليه الصلاة والسلام – نموذجا يحتذى ومثالا يقتدى به في شتى المجالات ولم يك يترك فراغا في حياته ولهذا قد حدثت عنه عائشة رضي الله عنها وهي تقول :

” لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم فارغا في بيته قط ، إما يخصف نعلا لرجل مسكين أو يخيط ثوبا لأرملة ولم يترك فراغا قط في حياته مع أنه حاكم الدولة وقائد الجيوش والداعية الأول والعابد الزاهد “

كان الصحابة رضوان الله عليهم يحسنون التعامل مع الفراغات فهاهي مسيرة الخطاب – رضي الله عنه – شاهدة ومليئة بالنماذج العملية لاستغلال الوقت والقضاء على الفراغ القاتل فقد شغل الأمة بأعماله الصالحة وفتوحاته الخالدة وهو القائل :

” أحذركم عاقبة الفراغ فإنه أجمع لأبواب المكروه من السكر وإني أكره الرجل أن أراه يمشي سبهللا لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة ”

وكديل آخر على أهمية الوقت واستغلاله قد حارب القرآن – وهو دستور هذه الأمة – ظاهرة الفراغ في أكثر من موضع وذكر أن للإنسان لحظات يندم فيها أشد الندم على ضياع وقته ويستشعر بحق اللحظة الضائعة ، قال تعالى :
{ رب ارجعوني لعلي أعمل صالحا في ما تركت}
{ويوم نحشرهم جميعا كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار.. }
{ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها }

إن أمر الفراغ هو أكبر عائق دون تطوير الذات وقد لخص أحد المصلحين ذلك بقوله :

” اعلم – رعاك الله – أن الفراغ من شأن الأموات والاشتغال من شان الأحياء ، فإن قدرت أن لا تكون إلا حيا فافعل ، ولا تفرغ قلبك من ذكر ولا يدك من شغل فالقلب الفارغ يبحث عن السوء واليد الفارغة تسرع إلى الإثم ”

خلاصة الأمر أن الحجر منة تفرض على صاحبها أن يحسن ترتيب أولوياته دون أن يشعر وهو فرصة لأن يستحضر الإنسان أن الوقت هو الجوهر النفيس لهذا العمر ومن تمادى في ضياعه فهو لما سواه أضيع دون شك !

زر الذهاب إلى الأعلى