الرواية والتراث: ملاحظات حول خطاب الشخصيات. أ.د. محمد بن تتا



توطئة
حديث الرواية والتراث حديث ذو شجون، لا متسع في هذا المقام لتقصي جوانبه المختلفة، وإن لم يكن بد من الإلماح إلى كبريات رهاناته الإيديولوجية والفنية، قبل التمحض لموضوع هذه الورقة الذي هو، تحديدا، خطاب الشخصيات في السرد الروائي العربي. من أجل ذلك، سعينا، في هذه العجالة، إلى موضعة الإشكال اللغوي في سياق نشأة الأشكال السردية العربية الحديثة، وهو سياق لا يكتسب دلالته إلا في منظومة أعم من الرؤى والأطروحات التي تناولت مشكل النهضة العربية الحديثة على وجه العموم. ثم حاولنا أن نعرض بإيجاز لمشهور آراء الكتاب والنقاد العرب المعاصرين في لغة الحوار، قبل التطرق إلى إلى ما يماثل ذلك من منظور كتاب العربية القدامي.
وحيث إن استكناه الإمكانات التي يتيحها استثمار الأشكال التراثية في الإبداع السردي، كان من آكد بواعث الاهتمام بهذا الموضوع، فقد عمدنا في الختام، من خلال ملاحظات متنوعة، إلى استثارة السؤال عن بعض المسلمات كثالوث الفصحى والوسطى والعامية، والمستعمل والمهجور.

  1. في سياقات النشأة
    على إيقاع اكتشاف الآخر، وحدّة الوعي بما حققه (وهو الند التاريخي) من رقي حضاري، توزع المثقفين العربَ في عصر النهضة اتجاهان: سلفي وعصراني ، كان وُكد الأول منهما ابتعاث الأنموذج القديم بينما جنح الثاني إلى احتذاء التجربة الليبرالية – القومية الغربية في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة أملا في التحديث. من هنا كان شكل الكتابة، في حد ذاته، موقفا صريحا من الجدل الدائر حول السؤال النهضوي: فاختيار المسرح أو الرواية أو القصة القصيرة شكلا للتعبير انحياز لا مواربة فيه للأطروحة الليبرالية القومية التي تحتذي أنموذج النهضة الأروبية في العصر الحديث. ولئن كان هذا الأنموذج الليبرالي قد اهتزت صورته، في منظور المثقفين المصريين، خلال فترة ما بين الحربين العالميتين ، فإنه لم يفلس في نهاية النصف الأول من القرن العشرين ، إلا بعد أن أصبحت هذه الفنون المستحدثة واقعا ثقافيا لا محيص عن التعاطي معه أيا كان منشؤه وخلفيته البدئية. من أجل ذلك لم تتأثر هذه الأشكال، بصورة جوهرية، بهجرة المثقفين العرب، في مصر وخارجها، من فلك الليبرالية لارتياد آفاق الطرح الاشتراكي الصاعد، وإن كانت النكسة التي مُنيَ بها هذا الأخير، في أواخر السيتينيات، قد تلتها موجة من التنقيب في التراث، بحثا فيه عما يمكن أن يعتبر جذورا لتلك الأشكال المستحدثة .
    في هذا السياق طرحت منذ الوهلة الأولى مسألة اللغة في القص، وكانت مثار جدل، لا بين دعاة الطرحين المتقابلين فحسب، بل داخل الطرح الواحد، فلم يكن دعاة التحديث ملة واحدة، بل كان منهم المستمسك باللغة الفصحى، ونصير العامية، والداعي إلى موقف بين بين.
  2. خطاب الشخصية في السرد العربي الحديث
    واكب نشأة الرواية الفنية في مصر ظهور المعضلة اللغوية: فالتجارب التي كانت تحتذي نماذج الواقعية في أروبا، بما يطبعها من نزوع إلى التسجيل والإيهام بالواقعية، لم يكن ليغيب عنها التنافر ما بين عربية تصرمت، منذ أمد بعيد، صلاتها باليومي المعيش، وبين حاجات مجتمع نازع نحو التحول والتجدد. وكان عيسى عبيد (لغز فجر القصة المصرية كما يصفه يحي حقي) في مقدمته الذائعة الصيت لمجموعته إحسان هانم، قد طرح مشكل اللغة الحوارية، بضع سنوات بعد صدور رواية زينب، بكل وضوح:
    “ويجب أن أعترف أن مسألة اللغة التي تكتب بها المحادثات الثنائية Dialogues قد أجهدت فكري وأتعبتني كثيرا قبل أن توصلت إلى إيجاد حل لها – واللغة مشكلة عويصة تعترض الكاتب الفني، لأن الفرق عظيم جدا بين اللغة التي نكتب بها واللغة التي نتكلمها؛ فإن استعملنا الأولى ظهرت متكلفة متنافرة شاذة بعيدة عن الفن الذي يتطلب المسحة الحقيقية والدقة في تصوير الألوان المحلية، وإن استعملنا الثانية قضينا على اللغة العربية وحكمنا على إخراج النوع القصصي والمرسحي من آدابنا، ونحن نريد أن يكون هذا النوع من أقوى وأرفع أركان الآداب المصرية، كما هو في البلاد الغربية، لأنه أوقع أثرا في النفس ويساعد الكاتب على درس كل الموضوعات والمسائل من عملية وفلسفية واجتماعية وأخلاقية ونفسية”
    إذا حاولنا أن نستأنس ببعض محددات الخطاب المقدماتي في قراءتنا لهذه الفقرة من مقدمة إحسان هانم، تجلت لنا الإكراهات المتنوعة التي تواجهها الذات المتكلمة في موضوع اللغة، بين عوامل الجذب والطرد في الاتجاهين كليهما، فاللغة “التي نتكلمها” – دون شك – أكثر دقة “في تصوير الألوان المحلية” كما أثبتت ذلك تجارب التمصير، ولكنها – في الوقت ذاته – أظهرُ عجزا عن “درس كل الموضوعات والمسائل من عملية وفلسفية واجتماعية وأخلاقية ونفسية”، وليس يعول عليها، موضوعيا، في إنجاز أعمال سردية تحذو حذو هونوريه دو بلزاك، وغوستاف فلوبير، وأميل زولا، الذين نوه بهم صاحب المقدمة .
    أما اللغة “التي نكتب بها”، والتي تصرمت – كما أسلفنا- صلتها باليومي المعيش، فقد كانت محاولات إحيائها محكومة بنسق معرفي وإيديولوجي مغاير، لا يولى مشاغل السرد الحديث كبير عناية (ولعل تقديم الإمام محمد عبده لمقامات بديع الزمان الهمذاني من أسطع البراهين على هذه الدعوى )، فضلا عن كونها لا تؤمن التواصل مع القاعدة العريضة من القراء التي استحوذت عليها “الروايات المرسحية” العامية والممصرة .
    معنى ذلك، بصيغة أخرى، أن معاناة الكاتب في باب اللغة، لم تستثن أي خصيصة من خصائص النوع التي سيفيض القول فيها، بعد عقود من الزمن منظر معروف ، نعني بذلك خصائص النوع من حيث هو جملة من القواعد والضوابط، ومن حيث هو فعل تواصل.
    فعلى صعيد القواعد والضوابط، يقتضي احتذاء النماذج الروائية المنوه بها في مقدمة إحسان هانم طواعية اللغة، لغة الكاتب لالتقاط أدق تفاصيل اليومي ضمانا للإيهام بالواقعية، ولتحليل النفسيات والغرائز والسياقات الاجتماعية والتاريخية الحاضنة لها.
    أما على صعيد التواصل، فالإشكال مضاعف، لضرورة اشتراك الطرفين، لا في السنن الذي يحكم التواصل اللغوي العادي فحسب، بل في سنن القواعد والضوابط التي تحكم النوع المتلقَّى. لأن “مقولات النوع تؤول في جوهرها إلى البعد التداولي للأدب. والعمل الأدبي ليس، بحال من الأحوال، حقيقة نصية (مكتوبة أو شفاهية) فحسب، بل إنه أيضا فعل وتفاعل لفظي منظم اجتماعيا بين كاتب وجمهور. وأيا كان محتوى العمل الذي يريد الكاتب إبلاغه لقرائه أو مستمعيه، أو شكله، فإن عليه أيضا أن ينجح في تعريف من حيث هو فعل تواصلي مميز”
    الإشكال الذي يواجهه الكاتب، إذن، هو في جزء كبير منه، استحالة التوفيق “بين لغة الأشخاص التي يتكلمون بها في الحياة وبين اللغة الأدبية الراقية التي يجب أن تدون بها المؤلفات. ونذكر هنا للدلالة على عظم هذا المشكل أن صديقنا المأسوف عليه محمد بك تيمور الثوروي الفني ارتأى بعد إمعان التفكير وجوب وضع الروايات القصصية المرسحية باللغة العامية ليسم أدبنا بشخصيتنا المصرية ولتكون الروايات قريبة إلى الفن والحقيقة خالية من التكلف والجمود. ونحن مع إعجابنا الشديد بفقيدنا العزيز لا يمكننا الموافقة على هذه الفكرة المتطرفة الخطرة، فنحن ممن يتعصبون للغة العربية، ولا نرغب أن يستقل الأدب المصري عن الأدب العربي، ولكن يكون فقط للأول صفة خاصة به تميزه عن الثاني، ويطلق له حرية التطور والرقي. وحتى نوفق بين الفن واللغة ارتأينا أن تكتب المحادثات الثنائية بلغة عربية متوسطة خالية من التراكيب اللغوية وقد تتخللها أحيانا بعض ألفاظ عامية حتى لا يظهر عليها شيء من الجمود أو التكلف، ونطليها بالمسحة المصرية والأوان المحلية، وقد تؤدي كلمة عامية معنى لا تؤديه جملة عربية برمتها”
    بعد خمسين عاما من صدور مجموعة إحسان هانم، تجذرت خلالها الكتابة الروائية والمسرحية في مصر وفي عدد من البلدان العربية، نشر الباحث التونسي محمد عزيزة، سنة1970، بالجزائر، بحثا عنوانه الإسلام والمسرح حاول فيه استبانة الأسباب التي حالت دون ظهور المسرح في المجتمعات الإسلامية التقليدية، تطرق فيه لمعضل اللغة، يقول:
    “اللغة العربية الكلاسيكية تشبه بستانا جميلا ولكنه بستان متجمد. والمسرح بتكوينه هو اللغة التي لا تحتمل القوالب الجامدة (…) تبقى أمامنا اللغة العامية التي تمثل أصدق تمثيل التجربة المعاشة والمسرح يستريح إليها، ما في ذلك من شك، ولكن اختيار اللغة العامية للمسرح العربي ألا يقودنا إلى الإقليمية؟ (…) هذا إذا لم نختر عربية ثالثة ( العربية الوسطى) التي لا يدافع عنها توفيق الحكيم وحده، فهناك في لبنان أنيس فريحة الذي كتب حول ذلك كتاب (نحو عربية ميسرة) وفي تونس حسن زمرلي. ولكن أليس هذا الحل خطرا أيضا؟ ألا يؤدي بنا ربما إلى إضاعة الجانب الدلالي والروحي تقريبا للغتنا الفصحى القديمة والجانب التاريخي للعامية؟ على كل حال لا زال باب النقاش مفتوحا”
    وليس يخفى أن وصف عيسى عبيد للدعوة إلى الكتابة بالعامية بالتطرف والخطورة ومجاهرته بالتعصب للعربية، لا تعزز كثيرا ما ذهب إليه محمد عزيزة من كون المثقفين المسيحيين كانوا من نزع عن العربية طابع القداسة . ومن جهة ثانية فإن موقفه من مسألة اللغة الحوارية لا يشي بكبير تأثر بما نشر وحقق، على مدى خمسين عاما تفصل بين المقولتين، من كتب تراثية تصدى بعضها، وإن عرَضًا، لهذه المسألة.
  3. التراث السردي ولغة النوادر:
    “أما إذا كانت المحادثات قصيرة ومقتضبة فيحسن بنا أن ننقلها كما هي كما تصدر عن الأشخاص المختلفي النحل والأجناس بألفاظهم العامية ورطانتهم الأعجمية، ولا نظن أنه يقوم من يعترض علينا، فإن الكتاب الفرنسيين أنفسهم الذين يعبدون لغتهم ويحافظون عليها أكثر من محافظتنا على لغتنا كثيرا ما يوردون في مؤلفاتهم القيمة التراكيب الأعجمية وألفاظ الألمان والإنجليز وعامة الفرنسيين أنفسهم حال تكلمهم لغتهم، ولم نر أحدا منهم قام يظهر فساد هذه الخطة أو إهانتها للغة”
    بهذه الجمل يختم عيسى عبيد آراءه في لغة الحوار. وربما يدل احتجاجه بموقف الكتاب الفرنسيين ” الذين يعبدون لغتهم ويحافظون عليها أكثر من محافظتنا على لغتنا” أنه لم يكن مطلعا على استخدام بعض شعراء العربية القدماء الألفاظَ الأعجمية لمجرد التظرف والتملح أو على آراء بعض كبار الكتاب في لغة النادرة، مثل ما يورده ابن قتيبة الدينوري في مقدمته لعيون الأخبار:
    ” … وكذلك اللحن إذا مر بك في حديث من النوادر فلا يذهبن عليك أنا تعمدناه وأردنا منك أن تتعمده، لأن الإعراب ربما سلب بعض الحديث حسنه وشاطر النادرة حلاوتها. وسأمثل لك مثالا: قيل لمزيد المديني – وقد أكل طعاما كظه – قِي، فقال: ما أقي؟ نقا ولحم جدي. مرتي طالق لو وجدت هذا قيا لأكلته.
    ألا ترون أن هذه الألفاظ لو وفيت الإعراب والهمز حقوقها لذهبت طلاوتها ولاستبشعها سامعها، وكان أحسن احوالها أن يكافئ لطف معناها ثقل ألفاظها؟
    ولمثل هذا قال مالك بن أسماء:
    أمغطى مني على بصري للـ حب أم أنت أكمل الناس حسنا؟
    وحديث ألذه هــــو ممـــــــــا يشتهي الناعتون يـــوزن وزنا
    منطق بارع وتلحــــــن أحيا نا وأحلى الحديث ما كان لحنا
    وقد كان الجاحظ، من قبل أكثر، وضوحا في حرصه على مراعاة خطاب الشخصيات لمقتضى الحال حين يقول:
    “ومتى سمعت -حفظك الله- بنادرة من كلام الأعراب، فإياك أن تحكيها إلا مع إعرابها ومخارج ألفاظها؛ فإنك إن غيرتها بأن تلحن في إعرابها وأخرجتها مخارج كلام المولدين والبلديين، خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير. وكذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوام، وملحة من ملح الحشوة والطغام، فإياك أن تستعمل فيها الإعراب، أو تتخير لها لفظا حسنا، أو تجعل لها من فيك مخرجا سريا؛ فإن ذلك يفسد الإمتاع بها، ويخرجها من صورتها، ومن الذي أريدت له، ويذهب استطابتهم إياها واستملاحهم لها”
    ومثل ما يورده أبو المطهر الأزدي، في مقدمة حكاية ابي القاسم البغدادي:
    “هذه حكاية مقدرة على أحوال يوم واحد من أوله إلى آخره وليلة كذلك، وإنما يمكن استيفاؤها واستغراقها في مثل هذه المدة فمن نشط لسماعها ولم يعد تطويل فصولها وفضولها كلفة على قلبه ولا لحنا يرد فيها من قصور عباراتهم قصور معرفة يعيرني بها، ولا سيما مع انتهائه إلى الحكاية البدوية الأدبية التي أردفتها بها، وتبع قول أحد البلغاء: ملح النادرة في لحنها وحرارتها في حسن منقطعها، تكلفت له من البسط جهده المتعب علي وغيره الممتع له، ثم إن لي قدمة بشوط أستعيره وأستغيره من شعر أبي عبد الله بن الحجاج، وهو قوله:
    يا سيدي دعوة من شعره تجري على العادة والعرف
    لابد أن تغفل عن لفظة طريفة يأتي بها سخفي
  4. ملاحظات برسم الختام
    يمكن، تأسيسا على ما سلف، إيراد جملة من الملاحظات، تتعلق الأولى منها بـ “اللغة الوسطية” :
  5. 1 اللغة الوسطى، إذ يمكن لقائل أن يقول إن هذه الوسطية بالغة النسبية، فقد تكون الوسطى أقرب إلى الفصحى وقد تكون أقرب إلى العامية. أو أقرب إلى العاميات على الأصح، مما يجعلنا أمام العديد من العربيات الوسطى لا أمام عربية وسطى.
    وإذا كانت دواعي اللجوء إلى هذه اللغة الوسطى، بدءا، هي التعارض بين الفصحى والعاميات، ألا يسوغ التساؤل عن الحدود، في هذا التعارض، بين ماهو إيديولوجي صرف وما هو لغوي؟ وبخاصة حين نجد من كبار شعراء العربية وكتابها في القديم من لا يستنكف عن استعمال السوقي عند اقتضاء المقام؟
    وللجاحظ في هذا الموضوع رأي طريف، إلا يكن منطبقا على اللغة الوسطى فإنه يذكر بها لا محالة:
    ” وقد يحتاج إلى السخيف في بعض المواضع، وربما أمتع بأكثر من إمتاع الجزل الفخم من الألفاظ، والشريف الكريم من المعاني، كما أن النادرة الباردة جدا قد تكون أطيب من النادرة الحارة جدا. وإنما الكرب الذي يختم على القلوب ويأخذ بالأنفاس، النادرة الفاترة التي لا هي حارة ولا باردة، وكذلك الشعر الوسط والغناء الوسط؛ وإنما الشأن في الحار جدا والبارد جدا”
  6. 2: أما الملاحظة الثانية فتتصل بالعامية أو العاميات التي يتعصب لها بعض المتعلمين بدعاوى شتى. فهي – فيما يدعون – وحدها القادرة على التعبير عن الخصوصيات وعن دخائل النفوس، وهي أغنى بكثير من الفصحى في مجال الأشياء الحضارية …إلخ.
    ونحن نرى أن الذي نسميه اليوم عاميات، إذا رجعنا البصر إليه، وجدنا الكثير من ألفاظه محفوظا في معاجم اللغة، وإن لم يكن متداولا إلا في قطر بعينه، دون أن ينتبه كثير من الناطقين به إلى انتمائه إلى اللغة العربية المكتوبة. ويمكن أن يستشهد لذلك بنماذج من الآداب الحديثة وأخرى قديمة نسبيا، تبين أن العاميات، يسهل في كثير من الأحيان، تحويلها إلى فصحى ذات لون محلى لا يجد الملم بالعربية إلماما معقولا غضاضة في تذوقها .
    لنأخذ، على سبيل التمثيل، قول شاعر شعبي من الجزائر ، تاقت نفسه إلى الحج والزيارة:
    مَنْ صَابْ لِي هَجْهُوج احْمَرْ يَسْوَى مِنْ الِابْرِيزْ مِيّه
    فلو تأملنا هذا الكلام وجدنا أن:
    *صَابَ يَصِيبُ تعني أَصاب يُصِيب؛
    *الهجهاج: النفور، والشديد الهدير من الجِمال، والطويل منها .
  • يسوى: يقول الفيروزابادي بعد يساوي”ويَسْوَى كَيَرْضَى قَلِيلَةٌ .
    وما ينطبق على الشعر الشعبي ينطبق على العديد من العبارات “العامية” في نصوص سردية عربية حديثة:
    “فهبز نحوي يطاميني وحالت بيننا الحجاز، وأنا لم أتحرك من مكاني ولا عود في يدي ، فقلت لمن يحجزونه لما رأيتهم ينترونه ويعفسونه ليجلس : “خلوه خلوه كفرت لا يكون مني بحيث تصله يسراي هذه إلا صليت على خير الرجال ولطمته على الحنك الأيمن حتى يقول: خرجت ضيفا، وانتهى المدح، وفي الصباح وقعت الهيشة”
    “والتفت فإذا العبد الأحمر خلفي يُجَوّق استهزاء بي. فقلت :
  • يا أمة الهادي ! يا جماعة المسلمين! انهوا هذا العبد عني إن كان لا يريد أن أتقرب إلى الله بدمّه، انهوه عنى إن كان يسمع !
    وكثر الكلام . وهبز إلي جذعان يطامونني، فجعلتُ -إن شاء الله – أصابعي هذه في ترقوة أحدهم ودفعته بها فإذا هو كالعزبة ملقى على فقاه. ونترت من حزامي خير الرفاق، فتمغطت حتى مسست بها العبد الأحمر، وألقيتها دوين السماء وحمت حيث حامت الحِدَأ فلقفتها وصحت . وزغردت خادم لنا زغرودة لست أنساها لها ما حييت فاقشعر جلدي وداخلني طور من الطرب مالي به عهد”
    كل الألفاظ المسطرة أعلاه مما يتداوله عوام الناس في حياتهم اليومية ويحسبه كثير منهم، وحتى من المتعلمين، ألفاظا عامية، والحال أنها كلها محفوظة في معاجم العربية كما هو مبين في الهوامش.
    بيد أنه يجب ألا يغيب عنا ما قد يقع أحيانا من انزياح عن المعنى المدون في تعريف المعجم إلى معنى يختلف عنه قليلا أو كثيرا، ففعل عفس يعني في التداول اللهجي القهر والإجبار بينما يفيد في الأصل الجذب إلى أسفل، فلذا كان من الضروري أن يقال ” يعفسونه ليجلس” للإبقاء على المعنى الفصيح. والأمر نفسه ينطبق على “جوّق” إذ لا تحمل أصلا معنى الاستهزاء.
    4.3: وتتعلق الملاحظة الثالثة بألفاظ لا تثبتها المعاجم العربية ولكن استخدامها بالمعنى نفسه في بلدان متنائية ويحضرني في هذا المجال مثالان، أولهما من “تشعبط” بمعنى تعلق في رواية “الرهينة” للمرحوم زيد مطيع دماج، وقد كنت أحسبها قبل ذلك لفظة حسانية خالصة.
    أما الثاني، فهو:
    ” وقلت أنا: إن عزيز الموسوى يعرف مخابئ ذاكرته وزواغيرها” من الثلاثية الأولى لجمعة اللامي
    4.4. أخيرا، هل يسوغ لنا، في ضوء ما سبق، أن ندعي أن المهجور من لسان العرب أقل بكثير مما قد نتصور؟ أي أن ما هو مهجور في فصحانا ولغتنا الوسطى، مما تحفظه المعاجم والمصنفات، مستعمل في عاميات البلدان العربية المختلفة، وليس يستحيل – كما مر بنا- استثماره في ردم الهوة بين العامي والفصيح، في كتابة خطابات الشخصيات. وفي جنس أدبي كالرواية يخصصه ويخلق أصالته الأسلوبية “الإنسان الذي يتكلم وكلامه” من حيث هما موضوع لتشخيص لفظي وأدبي، ومن حيث “المتكلم، أساسا فرد اجتماعي ملموس ومحدد تاريخيا، وخطابه لغة اجتماعية” يمكن أن تضطلع هذه السجلات بدور كبير في تفريد المتكلمين اجتماعيا وإيديولوجيا، وفي تأمين “لون محلي” منفتح على حاضر الثقافة وماضيها. على “أنه ينبغي ألا يفوتنا أن استثمار تقنيات الأشكال التراثية والمحكيات المحلية استثمارا فنيا مقبولا لا يكون عادة في مقدور المبتدئين لما يقتضيه من إطلاع على التراث وعلى تجارب الآخرين، ومن فقه بواقع المجتمع ونواميسه، ومن امتلاك لناصية اللسان”

المصادر والمراجع المحال إليها في الورقة:

  • ميخائيل (باختين)، الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة، دار الأمان، 1987
  • أبو حيان (التوحيدي)، الرسالة البغدادية، تحقيق عبود الشالجي، منشورات الجمل، ألمانيا، 1997
  • محمد عابد (الجابري)، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1989
  • أبو عثمان عمرو بن بحر (الجاحظ)، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي بالقاهرة وكتبة الهلال ببيروت، 1388 هـ / 1968م
  • القصة القصيرة العربية .. النشأة والحضور، تنسيق طالب (الرفاعي)، منشورات ذات السلاسل، الكويت، 2019.
  • عيسى (عبيد)، إحسان هانم، مطبعة رعمسيس، 1921.
  • محمد (عزيزة)، الإسلام والمسرح، ترجمة رقيق الصبان، دار قرطبة للنشر والطباعة، الدار البيضاء، المغرب، 1988
  • مجد الدين محمد بن يعقوب (الفيروزابادي)، القاموس المحيط، وتوثيق يوسف الشيخ محمد البقاعي، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1420 هـ / 1999م.
  • أبومحمد عبد الله بن مسلم (بن قتيبة) الدينوري، عيون الأخبار، القاهرة 1963، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب 1924/ 1930 .
  • جمعة (اللامي)، الأعمال الروائية، الطبعة الأولى،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2004.
  • بديع الزمان (الهمذاني)، أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحي، مقامات بديع الزمان الهمذاني، قدم لها وشرح غوامضها الأمام العلامة الشيخ محمد عبده، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 1426هـ – 2005م
    Jean-Marie SCHAEFFER, Le genre littéraire, in Encyclopedia Universalisa; ed 2012
    HENRI MITTERAND, Le discours du roman, ed PUF 1986.
زر الذهاب إلى الأعلى