قراءة مَّا لمسار مَّا لأحمد كلي ولد الشيخ سيديا ج1/ محمد السالك ولد ديده

فور قراءة الصفحات الأولى من كتاب “مسار مَّا” الذي اتسم عنوانه بإجمال فرضه تواضع وحياء المؤلف، يتضح أننا أمام عمل جبار يصف مسارا استثنائيا لرجل ذي مؤهلات سابقة لأوانها، وأسرة بعيدة الصيت.. فسحر الكلمات، وروعة الأسلوب، ووضوح الرؤية التي هي بمثابة استعراض حقيقي للقوة الأدبية للكاتب كلها أمور خانت تواضع الرجل المنحدر من وسط يعتبر تجنب الظهور فضيلة كبرى، وقيمة متجذرة في طباع جميع أهل تلك القرية.

شعور بالذنب يجتاحنا نحن الذين لا ننتمي إلى تلك القرية لدى اطلاعنا على الأحداث الكبيرة التي طبعت حياتها، أحداث تم استعراضها بكثير من الحصافة والمنهجية والدقة، في حين أن الصورة النمطية التي كانت لدينا عن هذا المكان تصوره على أنه قطعة من الأرض ضائعة في الصحراء القاحلة التي تغطي على جميع أنواع الطموح والمحاولات الإيجابية لصنع مستقبل أفضل. هذه الصورة التي حجبت عنا عظمة وأبعاد عمل رجال عظماء. كيف يمكن لبعضنا أن يجهل ولسنوات طويلة أن جزءا كبيرا من تاريخنا كان له موعد مع القدر في هذه الربوع، وأن صفحة عن “موريتانيا على درب التحديات” قد سطرت بماء الذهب بين هذه الكثبان التي تغير رمالها المتحركة ملامحها في كل لحظة.

قراءة هذا الكتاب تسمح أيضا ببعث الأمل في أنه في هذه الفترة الحالية التي طبعتها الخيبات منذ عقود بسبب التفكك الذي لا مثيل له لمؤسسات الدولة، وأنه ما زال في الإمكان أن تحدث نهضة جديدة عن طريق السير على آثار هؤلاء الرجال الذين يمثلون القدوة الأولى لنا، وقد استطاعوا تأسيس دولة في هذه الصحراء بفضل طموحهم ومثابرتهم..

من هؤلاء الرجال يذكر المؤلف في البداية الرجل المثالي الراحل الشيخ ولد محنض معلم القرية الأول والإطار السامي في الدولة الناشئة مستقبلا، والد صديقي المؤرخ الكبير والأديب البارع الحسين ولد محنض، فباستعراض المؤلف لذكرياته عن هذا الرجل الذي هو أحد بناة هذه الأمة تحس لديه حنينا وتحسرا على أن شخصيات من طراز هذا الرجل الذين كان له ولنظرائه الفضل في تنشئة جيله الذي أصبح أحد أفضل نخب المنطقة لم يعودوا معنا الآن للأسف. ولا شك أن دافعه في ذلك وفاؤه لذكراهم، ولكن يمكن أن يكون أيضا تعلقه الدائم بالمصلحة الوطنية، عسى أن يعاد لهؤلاء الجنود الشجعان المجهولين الذين أخرجوا للوجود وطنا من العدم الاعتبار، حتى يتسنى لهم أن يضطلعوا من جديد بمهمة إنقاذ نظامنا التعليمي الذي يعاني اليوم في غيابهم من المرض والانهيار.

وكما يقال غالبا بأن “الولد يشبه أباه” فإن المرجع الديني الإمام محنض والد الشيخ تم تقديمه في هذا الكتاب هو الآخر كعالم ورع واسع العلم، وكصاحب سر الزعيم الروحي الكبير الشيخ سيديا بابا، ثم ابنه الكارزمي الشيخ عبد الله، وكمرجعية شرعية لكل القرية، كأنما ليذكرنا المؤلف بأن القيم الأخلاقية والدينية تدخل في صميم اهتماماته وأسس تربيته.

وفي مرحلة مَّا من مراحل الكتاب أيضا نلاحظ ذلك التناغم الحاصل بين مسارين يتقاطعان.. “مسار مَّا” أراد الكاتب أن يتحدث عنه: مسار رجل قطع في وقت قياسي كل مراحل التميز، فتماهى بحكم قوة الأشياء مع مسار الجد الشيخ عبد الله بن الشيخ سيديا بابه، وهو رجل لا نظير له جمع إلى ميراث جده الشيخ سيديا صيتا طبق كل منطقة غرب إفريقيا ومعظم بقية العالم الإسلامي.

وفي المحصلة فإن ثراء تعابير الكتاب، والإتقان غير العادي للغة الفرنسية، وصراحته المؤطرة بتواضع البيئة المتصوفة، وتعدد الأحداث المذكورة فيه تدفع إلى قراءة هذا الجزء الأول بشغف.
ومع انتهائه يحس القارئ بتلهف شديد ورغبة جامحة لمواصلة قراءة باقي المسار من خلال “مسار مَّا الجزء الثاني” الذي نرجو أن يصدر قريبا.
محمد السالك ديده.
الترجمة الحسين محنض.

زر الذهاب إلى الأعلى