هدي السلف في عشر ذي الحجة/الكورى عبد البركة

لا يدع أئمة السلف الصالح فرصة للطاعة إلا اغتنموها ولا موسما للخير إلا وظفوه؛ يجاهدون فيه ويجتهدون ليتفيأوا أكناف الخير ويتعرضوا لنفحاته.
لذلك كانوا يعظمون العشر من ذي الحجة؛ فعن أبي عثمان النهدي قال: “كانوا يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأول من المحرم، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأخيرة من رمضان”.
وكان سعيد بن جبير رحمه الله تعالى إذا دخلت أيام العشر اجتهد اجتهاداً شديداً حتى ما يكاد يقدر عليه. وكان يقول: “لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر، أيقظوا خدمكم يتسحرون لصوم يوم عرفة”. وكان الحسن البصري يقول: “صيام يوم من العشر يعدل شهرين”. وقال الأوزاعي: “بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله، يصام نهارها ويحرس ليلها”.
ومن هدي السلف في هذه العشر الإكثار من ذكر الله تعالى، قال مجاهد: كان أبو هريرة وابن عمر رضي الله عنهما يخرجان أيام العشر إلى السوق فيكبران؛ فيكبر الناس معهما، لا يأتيان السوق إلا لذلك.
ومن هديهم أيضا فيها؛ أن يحترسوا من الذنوب والآثام، فكانوا يحرصون على أن لا يرتكبوا فيها ذنباً ولا إثماً مهما دق أو صغر.
وكان من هديهم فيها: تنويع العبادات وتعددها فلا يدعوا بابا للأجر إلا فتحوه؛ فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “لا بأس بقضاء رمضان في العشر”، وكره الحسن البصري أن يتطوع بصيام وعليه قضاء من رمضان إلا العشر، وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما يصلي الظهر ثم يصعد المنبر فيجلس عليه في العشر كلها فيما بين العصر والظهر يعلم الناس، وكان الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى يعتكف في عشر ذي الحجة.
فحري بالمؤمن أن يغترف بآنية التقوى من فيض هذا العطاء السخي في هذا الموسم الزكي، مسترشدا بالهدي النبوي ومستلهما من قبسات السالف الصالح ما ينير القلب ويضيء الدرب ﴿أُو۟لَـٰۤئكَ ٱلَّذِینَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَاهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّاۤ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَـٰلَمِینَ﴾.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.