مذكرات ينبغي أن تقرؤوها، بين يونيو ويوليو!/محمد محفوظ أحمد

الأن أكملت قراءة الجزء الثاني من مذكرات عبد اللطيف البغدادي أحد أبرز “الضباط الاحرار” وعضو مجلس قيادة الثورة في مصر (1952م).
سرد موثق للأحداث (التي كان يدونها في حينها في مفكرته)، سهل اللغة مع بعض الاخطاء النحوية وقليل جدا من اللهجة العامية.
كانت للبغدادي صلة وثيقة بالرئيس جمال عبد الناصر، وكان مع كمال الدين حسين وحسن إبراهيم من خاصة عبد الحكيم عامر، القائد العام للجيش(وثلاثتهم كانوا من قادة 23 يوليو وأعضاء مجلس قيادة الثورة).
ولكن استقالته المبكرة (1964) أدت الى جفوة ومضايقات من عبد الناصر استمرت حتى استوت علاقتهما في آخر حياة الرئيس عبد الناصر.
في المذكرات تفاصيل كثيرة ومهمة عن الجوانب السياسية والعسكرية في النصف الاول من حياة “ثورة يوليو”، وخاصة الوحدة مع سوريا وكيف فشلت، بالإضافة الى أدق التفاصيل عن التطورات، وخاصة أزمة مارس 1954، التي كان جوهرها الإطاحة بالرئيس الأول محمد نجيب.
ثم ختم بفصل واف ومؤثر عن حرب 1967 تدمى له القلوب وتقشعر الابدان.
وكان البغدادي وكمال الدين حسين، بسبب علاقاتهما الخاصة مع المشير عبد الحكيم عامر، يتوجهان كل يوم من أيام تلك الحرب الى القيادة العامة للجيش ويظلان الى جانب المشير عامر في غرفة العمليات يتابعان أحداث وتطورات العدوان الصهيوني المدمر، ثم انضم إليهما حسن إبراهيم. وفي بعض الأيام كان يحضر عبد الناصر نفسه الى مكتب القائد العام.
ما دونه البغدادي عن مشاهداته ومتابعته المباشرة لسير الحرب يفوق التصور… كأنَّ رئاسة دولة كبيرة وقادة جيشها تحولوا فجأة الى أطفال بدأوا لأول مرة لعب كرة القدم في ملعب بلدي! بلا حول ولا قوة يتخبطون؛ مشتغلين بصغائر المهام، وقد تملكهم الارتباك والعجز والاستسلام… بينما لا تتوفر حقائق ولا تنسيق عما يجري في ساحة الوغى… بعدما قدمت أوامرُ الانسحاب الجيوشَ المصريةَ لحوما مشوية وخردة محترقة بطيران العدو “الآمن” في صحراء سيناء المنبسطة!!

ولعل المفاجأة التي اكتشفتها من قراءة هذا الكتاب تتعلق بمصير المشير عبد الحكيم عامر نفسه؛ فقد كانت لدي نقطة “إعجاب” بكرامته الشخصية لاعتقادي الخاطئ بأنه انتحر بسبب فشله ومسؤوليته المباشرة عن تلك الهزيمة المروعة.
والواقع أن ذلك ليس كذلك؛ بل كان “انتحاره” بسبب القبض عليه واتهامه بمؤامرة تدبير انقلاب عسكري على رفيقه عبد الناصر!
ثم أشار الكاتب إلى طرف من رواية أسرته، التي كان وحده تقريبا هو من حضر مأتم عزائها، “بأنهم قتلوه”!
وإن تعجب من شيء فهو ما يكشفه البغدادي عن تلك العلاقة الغريبة بين عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر (وهي علاقة زمالة وصداقة ومحبة ونسب…) والتي أفاض المؤلف في تفاصيلها؛ حيث كان عبد الناصر باستمرار متشبثا بهذا الضابط (عبد الحكيم) متنازلا له على الدوام؛ وفي نفس الوقت دائم الشكوى منه لرفاقه، ومن انفراده بشؤون الجيش، ومن استقالاته الابتزازية المتكررة! حيث قال – ناصر – إن عامر كان يستقيل كل 45 يوما، كما يروي البغدادي!!
ويتطرق المؤلف في نهاية الفصل الى تنحي عبد الناصر، فيتساءل: كيف عبأ الاتحاد الاشتراكي في لحظة الجماهير وأحضرها بالباصات الى ساحة المظاهرات لتطالب بعدول الرئيس عن التنحي!!

وقد قال د. محمد الجوادي، الذي جمع بعض مذكرات قادة العسكرية المصرية 1967، عن هذا الكتاب: “كان البغدادي ملتزما بالصدق والدقة”.


مقتطفات:

  • في حفل انضمام العراق الى معاهدة الدفاع العربي المشترك، بعد الأردن، قال جمال عبد الناصر في خطاب: “إننا ننتظر المعركة على أحر من الجمر”.
  • وقال: “ستدمر إسرائيل إذا هاجمتنا”.
  • في مؤتمر صحفي للمراسلين الأجانب يوم 28/5/1967، رحب جمال بملاقاة العدو، و”أظهر أن استعداده أصبح كاملا لملاقاة “إسرائيل”. وقد نال جمال إعجاب الجماهير لهذا الموقف البطولي، معتقدين أنه قادر على اجتياح “إسرائيل” في ساعات قليلة، متأثرين بهذا الدور الذي أجاد لعبه”.
  • مساء 5/ يونيو/67 كنا مع المشير في مكتبه فأخبرنا قائلا: “خسرنا معظم طائراتنا”. ثم جاء عبد الناصر وكان يسأل عبد الحكيم عامر عن الأوضاع ويحاول منه معرفة أوضاع الجبهة بينما يبدو عامر منشغلا في اتصالات، بعضها بلا أهمية. قلت لعبد الناصر: أنني “ألوم القوات الجوية. فقال لي: “القيادة حصل لها paralization شلل”!
  • انصرفنا (كمال الدين وحسن إبراهيم وأنا) وعلقنا ـ بيننا ـ بأن “المعركة تدار بنفس طريقة إدارة المعركة 1956 بعد تأميم القناة: عبد الحكيم يهتم بصغائر الأمور وكانه ليس قائدا عاما”.
  • 6 يونيو كنا (ثلاثتهم) مع القائد العام في مكتبه: جاء الرئيس عبد الناصر، وقال لعبد الحكيم ببساطة: “استراتيجية اليهود اليوم مكتوبة في جريدة انجليزية: يودون احتلال بورسعيد لضمان حرية الملاحة لهم في قناة السويس”!
    “فدهشت من أن رئيس الدولة والذي قرر الحرب لم يعرف استراتيجية العدو من قبل ولم يتبينها إلا اليوم من جريدة انجليزية”!!
    *8 يونيو: كان الرئيس حاضرا أيضا، “ورأينا نحن الثلاثة أن الافضل أن ننصرف فاستأذنا، فسألني جمال: إلى أين؟ فقلت: نستأذن حتى نترككم على حريتكم فربما ترغبون في مناقشة بعض الأمور، فرد علي محركا يديه الاثنتين قائلا: “نناقش أيه، ما الجيش راح”!
  • كان شمس بدران وزير الحربية يلازم المشير عامر “وينام معه في نفس السرير، ولم يكن يعمل شيئا طوال هذه الأزمة إلا تقديم بعض الأوراق لعبد الحكيم عامر الواردة إلى مكتبه، هذا هو كل ما كان يعمله وزير الحربية”!

في ذكرى هذه الأحداث المؤلمة، قبل حوالي اسبوعين كتبت خاطرة ألمٍ عن تلك الهزيمة المفزعة، باعتبار مضاعفاتها المدمرة ماديا ومعنويا؛ مصريا وعربيا، ما تزال مستمرة كل يوم (الاحتلال الصهيوني والقهر العربي…)، فانبرى لي بعض العاطفيين يتهمونني بالتشفي والتجاوز في حق الزعيم المصري جمال عبد الناصر صاحب تلك الهزيمة.
وليتهم قرأوا مذكرات أبطالها، وكذلك ضحاياها، سواء من الضباط الأحرار، أو غيرهم من القادة العسكريين… ليميزوا بين التشفي والتألم، على الأقل. وليدركوا أن تلك الهزيمة كانت من صنع القائدين المتفردين والصديقين المتعاليين: عبد الناصر وعبد الحكيم…
والمدهش أن هؤلاء الشهود المشاركين، يؤكدون تكرار نفس القيادتين لذات الأخطاء القاتلة التي حدثت في مواجهة العدوان الثلاثي (اليهودي الصهيوني/الفرنسي/ البريطاني 1956م) من ضرب الطيران المصري في مطاراته، والتعرض للخسائر الفادحة في القوات المكشوفة في صحراء سيناء!

ولكن المشكلة هي أن كثيرا منا، وخاصة الاخوة الناصريين، يستقون كل معلوماتهم ويبنون مواقفهم من مصادر ضيقة تكاد تنحصر في كتابات وآراء محمد حسنين هيكل و”فلسفة الثورة”، أو من سامي شرف، وكمال رفعت وعبد القادر حاتم… أو من الصحف والمجلات التي سارت ذات الحاشية؛ بينما تطفح المكتبات بكتب ومذكرات رفاق وأعوان عبد الناصر من الضباط الأحرار، وخاصة أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين لم يمنعهم الولاء لعبد الناصر من كشف العثرات وبيان الحقائق التي غطتها الدعاية والادعاءات اللاحقة!


ولعل مِن توالي مصائب هزيمة 1967 أنها توجت باستتباب الحكم الفردي وشد قبضة الديكتاتورية، حيث جمع الرئيس عبد الناصر، بعد عملية التنحي التي يصفها البغدادي بالمسرحية، مع رئاسة الجمهورية رئاسةَ الوزراء والأمانةَ العامة للاتحاد الاشتراكي (الحزب الأوحد)، وأحال الى المحاكمة أو التسريح أكثر من ألف ضابط، كـ”أكباش فداء” على حد قول الفريق أول كمال حسن علي، أحد قادة الميدان في جبهة سيناء وأحد المؤيدين بقوة لعبد الناصر، في مذكراته: “مشاوير العمر”.
ويصف هذا الضابط أحداث الحرب التي عاشها بنفس الغرابة، وبيان التخبط والارتباك في القيادتين: السياسية والعسكرية اللتين لم يدُر ببالهما “أنهما بإبعاد قوة الطوارئ الدولية وقفل خليج العقبة سوف تقدمان بأيديهما الذريعة المنشودة التي ترغب فيها “إسرائيل””.
ومن غرائب وصفه لذلك أنهم في سيناء حين مرت الطائرات الحربية “الاسرائيلية” فوق لواء الدفاع الجوي بفرقتهم لتُغِيرَ على مطار “التمادا” المجاور لموقعهم، لم يتصدوا لها لانهم كانت لديهم أوامر “بتقييد النيران وعدم الاشتباك بأي طائرة في السماء، وذلك حتى وصول طائرة المشير عامر لمطار التمادا”.
وقد أشار البغدادي أيضا الى هذه التعليمات العليا بعدم مقاومة أي طيران في الجو خوفا على سلامة طائرة المشير عامر المزمع وصولها الى ذلك المطار نفسه، حيث يوجد كبار القادة الميدانيين لاستقباله. ولكنهم استقبلوا قنابل وصواريخ طائرات العدو التي دمرت المطار بما فيه، فرجع المشير من جوه!
ومن المعالم المؤثرة في سرد الفريق أول كمال حسن علي لمأساة جيشه، بعدما أصيب بجروح ونقل إلى السويس، وصفه لما سببته أوامر الانسحاب المكشوف في صحراء سيناء، ثم قيام الجيش المصري بنسف كافة الجسور على القناة لمنع “إسرائيل” من العبور، فاقتبس المقولة: “وهكذا أصبحت القناة هي التي تدافع عن مصر وليست مصر هي التي تدافع عن القناة”!


والحق أن معالم التشاؤم تظهر في الجانب السياسي لثورة 23 يوليو منذ بدايتها، في ذلك الصراع الذي نشب مبكرا بين المطالبين بالوفاء بأهداف الثورة، والمصرين على الاحتفاظ بها سلطة ووسيلة حكم مطلق لمن له الغلبة من أبنائها المتريبين…
ومن أشد ذلك تأثيرا ما عرف بأزمة مارس 1954 وما أصاب الرئيس محمد نجيب الذي كان له ـ باعتراف الجميع ـ الفضل في نجاح الثورة وتعجيل موعدها بعدما اكتشف أن خبرها وصل النظام الملكي، الذي عرض عليه منصبا وزاريا لاستمالته.

اندلعت تلك الأزمة عندما أصر نجيب على انسحاب الجيش من الحكم، والعودة الى الحياة النيابية الديمقراطية، فنظم أنصار جمال عبد الناصر مظاهرات ترفع شعارات: ” لا أحزاب ولا برلمان”، “تسقط الديمقراطية/ تسقط الحرية”!

وحسم عبد الناصر ذلك الصراع لصالحه؛ فعُزل محمد نجيب الذي حُددت إقامته، ثم وضع في سجن خاص (منزل) لا يخرج منه ولا يزوره أحد ولا يكلمه، مدة ثلاثين سنةّ! (حتى 1971)، وحذف اسمه من الوثائق والسجلات، وحظر ذكر اسمه في أي وسيلة كانت، واعتبر جمال عبد الناصر أول رئيس للجمهورية!


جاءت ثورة 1952 ومصر تعيش أوضاعا سياسية سيئة على العموم، رغم ما يطبعها من حياة نيابية وحزبية وازدهار فكري وثقافي واحترام للقانون؛ فقد كان هناك فساد عميق في النظام الملكي، وسيطرة خبيثة للاستعمار الإنجليزي المدعوم باستعمار فرنسي، وكان الاقطاع والتراتبية الاجتماعية ترهق كاهل المواطن المصري الفقير…
نادت الثورة بمبادئ القضاء على هذه الاختلالات، وأفلحت في تحقيق كثير منها، وفشلت في الكثير، وبالذات في إرساء نظام ديمقراطي وخلق تنمية شاملة تقضي على الفقر والفوارق… لتتحول حصيلة الثورة في النهاية الى نتائج انقلاب عسكري: سلطة فردية تشك في كل شيء وتستخدم الجيش والحزب الدعائي لغرض مقدس هو حماية الحاكم وجعله نصف إله!

كان جمال عبد الناصر ضابطا وطنيا طموحا وثوريا متحمسا، يمتلك وجاهة وكاريزما القيادة والزعامة، وكانت أوضاع مصر والعالم العربي عموما في أشد الحاجة إلى تلك الصفات.
ومع ذلك برع عبد الناصر ونجح في شيء واحد فقط هو تصفية السلطة المطلقة لنفسه من شوائب رفاقه العسكريين وخصومه السياسيين؛ فحسم الصراع الخطير مع سلفه محمد نجيب ورؤيته الإصلاحية الديمقراطية، وقضى بذكاء على الوفديين، ودجن الشيوعيين ـ رغم استياء موسكو! ـ وقضى على طموحات ومؤامرات حلفائه الاخوان المسلمين.
يقول محمد نجيب في مذكراته: “ووقع الاخوان في الفخ الذي نصبه جمال عبد الناصر، فقد كان الاخوان هم القوة المرجحة لفوز احدى القوتين المتنازعتين في هذه المرحلة: قوتي انا وقوة عبد الناصر، وكان عليه أن يستميلهم الى جانبه فاذا كسب معركته معي وسيطر على الحكم استدار عليهم وتخلص منهم، وهذا ما حدث فعلا؛ اشتراهم ليبيعني، ثم باعهم واشترى السلطة المطلقة”!

والحاصل أن ثورة 1952 أو انقلابها، قد رفعت أجمل الشعارات وأكثرها رواجا لدى جماهير مصر والعالم العربي؛ بله العالم الثالث، ولكنها، فشلت في كل الأهداف المعلنة، والتي تشبث عبد الناصر برفعها و”أدلجتها”، لم يتحقق منها سوى بناء جيش تحكم في مفاصل وتفاصيل حياة المصريين.
فلم تتحقق التنمية، بل انضم بعض الاغنياء في مصر الى جمهور الفقراء، وتعثرت حركة الابداع وهرب كثير من الأدمغة الى المهاجر، ولم يتحقق التحرير، بل احتلت أرض على أرض، ولم تتحقق الوحدة العربية، بل ابتعدت واشتعلت الخلافات والمؤامرات بين الأنظمة العربية…

ثم آلت الأحوال بذلك إلى ما نرى اليوم…..

ملاحظة: مصر دولة عظيمة وقائدة ورائدة العالم العربي والاسلامي على مر التاريخ، وأنا أحبها، ولذلك أهتم بأمرها كل الاهتمام.

زر الذهاب إلى الأعلى