غايات الإنسان السوي/ الشيخ عبد الرحمن حدن

بسم الله الرحمن الرحيم
غاياتُ الإنسان السويّ

رويتُ عن بعض أهل العلم أن المرء يولد ومعه غايتان أساسيتان وثالثة تابعة لهما.
أما الغايتان:
1 – بناء مقره ألدائم الذي هو الدار الآخرة، قال الله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: ( وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَار)ِ غافر: 39، وقال: مبينا لأبينا آدام وأمنا حواء وعدوهما الذي معهما -لما أمرهما بالهبوط من الجنة إلى الأرض- أن استقرارهم فيها مؤقت: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، البقر: 36، وقال: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِر)، التكاثر: 1 وَ 2 ، وقال: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) العنكبوت: 64، وقال (وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) الأنعام: 32.
هذا ما يعتقده الإنسان السوي (المؤمن)، اما غير السوي (غير المؤمن)، فيرى أنه جاء لهذه الدنيا لإشباع رغباته ونزواته بدون  قيود، ويلهو ويلعب دون وازع  و لا رقيب، يأكل كما تأكل الأنعام، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) محمد: (12).
أما حقيقة دار الدنيا التي ذكرها خالقها العليم بها، فهي كما قال: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) الحديد: 20، وقال: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور) آل عمران:ِ 185، وقال: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) الأنعام: 32، وقال حكاية عن مؤمن آل فرعون: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ)
2 – ذرية صالحة تكون له عونا و فخرا في الدنيا، وذخرا في الآخرة:
إن الزواج حاجة فطرية وغاية إنسانية وضرورة حياتية، قال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِين} آل عمران : 14، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم” رواه أبوداود والنسائي وغيرهما وقد ندب الله إليه الشارع، فقال الله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} [النساء : 3]، وقال: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور : 32]، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم: “يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْج…”، وقال: “تزوجوا الولود الودود…”.
وقد امتن الله على الناس بخلقه لهم من أنفسهم أزواجا ليسكنوا إليها، وذلك في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ [الروم: 21].
والعزوف عن الزواج تبتلا مخالف للفطرة السوية وللسنة المطهرة، لذا قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم لما جاءه الثلاثة الذين حرَّموا على أنفسهم بعض المباحات:  “إني لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له، لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأَرْقُدُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي” رواه الشيخان، وقد تزوج هو بأبي وامي، وهو كذلك دأب الأنبياء والصالحين.
وقد يجدر التنبيه إلى أن الإسلام لا يرى غضاضة في حب النساء، لأنه دين واقعي وهو دين الفطرة السوية، والله عز وجل لحكمة بالغة فطر الجنسين على المحبة المتبادلة بينهما، وهذه المحبة إنما هي لأغراض سامية (استمرار الجنس البشري والسكن النفسي والراحة…)، لكن حصرها في محبة الأزواج بعضهم لبعض، وفي ذلك ما فيه من:
توجيه المشاعر والاهتمامات وجهة واحدة، وحفظها من التشتت في فضاء لا حدود له، وكله مضلة، وتحقيق الغايات الكبرى التي خُلق لها الإنسان (توحيد الله وإفراده بالعبادة والتقرب إليه بجهاد الكفار والمنافقين والكد في طلب الرزق الحلال، وتعمير الأرض وخدمة الناس…)، وللتدليل على ما قلت أسوق الأحاديث النبوية التالية: “حُبِّبَ إلي منَ الدُّنيا، النساءُ، والطِّيبُ، وجُعِلَ قرةُ عيني في الصلاةِ” رواه النسائي وصححه، ولما سئل عن أحب الناس إليه قَالَ بأبي هو وأمي: “عَائِشَةُ”، رضي الله عنها رواه البخاري، وهذا الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لماُ خَطَبَ امْرَأَةً َقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا”، قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وقال: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيري لأهلي”.
ففي هذا الأحاديث من الدلالة ما يكفي على اعتراف الإسلام وعناية بمشاعر الحب التي قطر الله عليها الإنسان، بل ذهب إلى أبعد من مجرد الاعتراف، حيث ندب إلى ما يزيد هذه المحبة ويقويها ويكون سببا في استدامتها.
ولأهمية الزواج وخطورته في حياة الفرد المسلم والمجتمع من حوله، لم يترك الحبل على الغارب للرجل والمرأة، بل أعطى توجيهات ومواصفات…، ذلك أن الجمال والمال والحسب والنسب إذا لم يجللهن التقوى كانوا نقمة على الطرفين، لذا قال الله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ [البقرة: 221]، وفال: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين ترِبت يداك) رواه البخاري، وقال: (الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة رواه مسلم، فمن أهم الغايات المرجوة من الزواج هي الذرية الصالحة، وتلك يصعب حصولها من غير المرة الصالحة.
 وهذه الغاية رغب فيها الأنبياء وسألوها لله عز وجل، فهذا زكرياء يسأل ربه، فيقول: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) الأنبياء: 89، ويقول الله عز وجل مخبرا عنه: (هُنَالِكَ دَعَا كَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء) آل عمران: 38. وهذا إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يمتن عليه ربه عز وجل بأن وهبه إسحاق ويعقوب كجائزة على مفارقته أباه الذي رفض عبادة الله: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا)، مريم: 49، وهؤلاء عباد الرحمن يسألونها ربهم جل جلاله، فيقولون: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان : 74]  
3 – أما الغاية الثالثة التابعة للغايتين السالفتين، فهي (الأثر الحسن)، الذي يُذكر به المرء في حياته، ويترحم عليه به بعد مماته -وكونه تابعا للغايتين السابقتين لأن العمل له في العموم إما شرك أكبر أو أصغر- وهو في نفس الوقت أمر محبب للأنفس، والإسلام لا يعارض تلك الرغبة، إذ الذكر الحسن يعتبر عمرا ثان للإنسان، لذا سأله إبراهيم الخليل عليه السلام لربه عز وجل، فقال: “واجعل لي لسان صدق في لآخرين”، ومن النبيئين مَن امتن الله به عليه، قال تعالى: “وتركنا عليه في الآخرين”.
 وقال ابن دريد رحمه الله تعالى: 
وإنما  المرء حديث بعده @  فكن حديثا حسنا لمن وعى
 وقال أحمد شوقي رحمه الله: 
فارفع لنفسك بعدَ موتكَ ذكرها @ فالذكرُ للإنسان عُمرٌ ثاني.
 وهذا الذكر الحسن يأتي في الغالب تلقائيا لمن تمكن من تحصيل الغايتين الأولى والثانية.
ومما ينبغي أن يذكَّر به من تفضل الله عليه فوهبه الذرية قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)} [التغابن : 14-15]، وقوله: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبإ : 37].

إن هذه الهِبَة العزيزة العظيمة التي يسعى الجميع لها ترتب على من أنعم الله بها عليه حقوقا جسيمة وإكراهات كبيرة، ففي الحديث الذي رواه البيهقي والحاكم وصححه: “إن الولد مبخلة مجبنة…”، وأعمالا دؤوبة وحذرا متواصلا لحماية الفطرة التي فطر الله عليها كل مولود وتنميتها في الاتجاه الصحيح الذي تكون به ذرية صالحة محققة للغاية الأصليةمنها.  

 ومن حرمه الله الغاية الثانية فلا تفوتنه الغايتان: الأولى والأخيرة، وليعلمن أن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه، قال صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» رواه مسلم. 

وإني لأتضرع إلى الله جل وعلا وأدعوه بما دعاه به أنبياؤه ورسله وعبادة الصالحون أن يرزقني ويرزق إخوتي وأحبتي وأصدقائي والمؤمنين جميعا بما تضمنته هذه الدعوات المباركات المستجابات بإذن الله تعالى:
 – {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء : 89]

  • {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85)} [الشعراء : 83-85]
  • {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان : 74].

فلنحرص جميعا على أن تتحق لنا هذه  الغايات على أحسن وأكمل ما يستطاع.
 اللهم وفق وأعن وتقبل وزد وتفضل،  فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب).

علبا درس: ذو القعدة: 1441هـ / يوليو:2020 م.
بقلم: عبد الرحمن محمد حدن

زر الذهاب إلى الأعلى