وجاء اليوم المشهود!/الكوري عبد البركه


الحمد لله الذي بلغنا يوم عرفة، ونسأله تعالى أن يوفقنا فيه لأبر الطاعات وأفضل القربات وأن يجعلنا من عتقائه في هذا اليوم الفضيل! فقد صح عند مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء). قال الإمام النووي: “هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة، وهو كذلك”. وقال المازري: معنى (يدنو) في هذا الحديث: “أي تدنو رحمته وكرامته، لا دنو مسافة ومماسة”.
وروى الترمذي عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنِّي أحتسبُ على اللَّه في صيامِ يومِ عرفةَ أن يُكَفِّرَ السَّنةَ الَّتي قبلَهُ والسَّنةَ الَّتي بعدَهُ”. قال المناوي: “يكفر السنة الباقية بأن يحفظه أن يُذنب فيها، أو يُعطيه من الثواب ما يكون كفارة لذنوبها، أو يُكفِّرها حقيقة مقدما”.
يوم عرفة إذن يوم عظيم؛ فهو اليوم الذي اكتمل فيه الدين وتمت النعمة، قال الطبري في شرح قوله تعالى: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَـٰمَ دِینࣰاۚ﴾: (قالوا: وكان ذلك في يوم عرفة، عام حجَّ النبي ﷺ حجة الوَدَاع).
ويوم عرفة أيضا هو اليوم المشهود الوارد في قول الله عز وجل: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}، يقول الطبري رحمه الله: (اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: وأقسم بشاهد، قالوا: وهو يوم الجمعة، ومشهود قالوا: وهو يوم عرفة).
ويوم عرفة هو يوم الإكثار من الدعاء بامتياز، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيّون من قبلي: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير”، وكان على بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: “اللهم اعتق رقبتي من النار”، قال النووي: (أفضل أيام السنة للدعاء هو يوم عرفة). ويدل على ذلك ما ورد أن السلف كانوا يدخرون حاجاتهم ليوم عرفة رجاء الإجابة فيه، وليقينهم بأن الرحمات والهِبات تتنزل فيه.
ومن الآداب المطلوبة لهذا اليوم العظيم أن يجتهد العبد في أن يكف نفسه عن المعاصي والآثام ويحفظ جوارحه عن الحرام ويصونها عن الشهوات وأعراض الناس ، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: “هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غُفر له”.
ومن آداب هذا اليوم أيضا أن يحرص المرء على أداء الفرائض في المسجد، مع التبكير إليها. وأن يحافظ على الأذكار وتلاوة القرآن، مع تجديد النية والعزم على ختمه. وأن يأطر نفسه على الاعتكاف في المسجد بعيداً عن الشواغل؛ ويتحرى أوقات النفل والدعاء بين الأذان والإقامة وعند الفطور، بالإضافة إلى ما يتخلل كل ذلك من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
فأكرم بامرئ وعى فضل هذا اليوم فبادر لاغتنام فرصته وسارع يلتمس خيراته ويتعرض لنفحاته، وجد وشد المئزر، فجمع حاجاته وحشد رغباته يرفعها لرب غفور سميع قريب مجيب.

زر الذهاب إلى الأعلى