ما بعد مالك بن نبي .. وحتمية مراجعات الفكر الحضاري/حسان زهار


تبدأ المراجعات النقدية لسؤال (الما بعد) بإدراك أن مأزق واقعنا المتردي الذي نعيشه، نتاج ثغرات ما نجتره من أفكار ومناهج ودراسات ومعارف، كثير منها صحيح، لكنه غير صالح. وفي هذا الكتاب الذي يقدمه الدكتور البشير قلاتي، محاولات للإجابة على ما يطرح من أسئلة في المجال الحضاري، التي تبنى على سؤال المابعد، تأسيسا على المشروع الحضاري لأحد كبار رواده، وهو الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله، بكونه أحد أعمدة الدراسات الحضارية المعاصرة في القرن العشرين. 

ضرورة النقد وسؤال المابعد 

يعترف الدكتور قلاتي البشير بداية، أن فكر ابن نبي وطريقة تناوله للأفكار ومنهجه في تحليل أزمة الانحطاط الحضاري للعالم الإسلامي، والمفاهيمية العقلية البنابية (نسبة لابن نبي) لها جدل خاص، فالرجل ذو عقل علمي، وله منهج تحليل، منطقي فائق الانسجام والدقة، حتى كأن أفكاره أفكار رياضية (من الرياضيات)، “إلا أن حالة الضغط الحضاري الذي نعيشه اليوم، يحتم علينا إعادة التفكير في مثل هذه المشاريع الفكرية، فلكل عقل زمانه، الذي تحرك فيه، وعلى ضوء وقائعه، التي أضحت ماضيا، نستفيد منه بقدر ما نعمل على تجاوزه، لتجدد التحديات وتزايد خطورتها”. (ص 18)

يقول الكاتب: “في قراءتي الأولى، كنت أتوافق مع فكر ابن نبي حول ظاهرة القابلية للاستعمار، وفي نقده الشديد لمحمد إقبال، وفي مقاربته لطرح سيد قطب حول المجتمع الإسلامي المتحضر، وفي بعض طروحاته الفكرية، لكني بعد أن وضعت مسافة بيني وبينه، راجعت هذه الأفكار، فوجدت أنها غير متوافقة مع بعض المعطيات الواقعية، مما يفقدها بعض مسوغاتها، ومنها بعض المفاهيم التي تؤول إلى نتائج نفسية صحيحة في ذاتها، ولكن لم تعد صالحة، لاعتبار اختلاف الزمان والمكان والتحديات، خاصة في مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين”. (ص 19).

ويضيف: “إن أولى واجبات المثقف اليوم أن يفكر بعقلية نقدية لا اجترارية… ولا يعني ذلك إصدار أحكام اعتباطية معيارية.. إن كل معرفة موضوعية ينبغي أن تزاوج بين مستويين من التحليل باعتباره استكشافا للموضوع باستراتيجيات معرفية أكثر ثراء و متانة. وليس النقد مصارعة أيديولوجية.. النقد تطبيق للمنهج السالب لبيان أننا لا نعرف الكثير عما نعتقد أننا نعرفه تمام المعرفة، والاستكشاف بيان شبكة مفهومية ومنهجية تتيح معرفة الشيء من زوايا ومستويات أكثر عمقا”. (ص 21).

ومن مؤاخذات الدكتور قلاتي: “ما لاحظته أن كل ما كتب عن الرجل، تتناوله في إطار نظري، إما من جهة النقل والاجترار دون تمحيص أو نقد، وإما من جانب التمجيد والإشادة… أردت في هذه الدراسة أن أكون موضوعيا قدر الإمكان. أتناول الفكر الحضاري عند مالك بن نبي الذي نعترف بعبقريته من خارجه من خلال إطار نقدي، محاولا أن أتجنب جميع أشكال التحيزات… فكرة المابعد التي يعلن فيها العقل أنه آن لنا أن نفكر لعصرنا، أن نحرك عقولنا خارج صندوق الطروحات القديمة التي تكلست عليها كأنها من الوحي المعصوم. دون أن يمنعنا ذلك من الاستفادة منها والبناء عليها والتأسيس على قواعده، يمكن أن تثبت صلاحيتها لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين، حيث الأمم تخطط منهجيا لمشاريع تبنى على رؤية مستقبلية تمتد في عمق الزمان، بينما مازلنا نجتر طروحات الماضي دون أن نملك شجاعة نقدها”. (ص 25).

إن مالك بن نبي نفسه بحسب الكاتب “لو قدر له أن يعيش هذا العصر ويعاين تحدياته على المستويين الداخلي والخارجي، لعدل الكثير من أفكاره ولأعلن معارضته لكل ما حوته تلك الدراسات التمجيدية التي تمتلئ بها رفوف المكتبات عندنا”. (ص 26).

عوامل التخلف الحضاري عند مالك بن نبي 

يرى الكاتب “أن تاريخ الحضارة عند مالك بن نبي يتمثل في دورات، كل دورة محددة بشروط نفسية واجتماعية (تبعثها فكرة دينية أو عقيدة) فهي حضارة بهذه الشروط. تنتقل هذه الشروط من مجتمع إلى آخر في هجرة لا نهاية لها، مثلها مثل الشمس تشرق في أفق شعب ثم تتحول إلى افق شعب آخر، ويجب على الأمة أن تعي مكانها ضمن دورة التاريخ وتدريس عوامل انحطاطها ومشاكلها التاريخية وإمكاناتها، ثم تستخلص الحلول والمناهج وفقا لذلك بعيدا عن التقليد. وهو أمر لازم لكل مشروع نهضة، فالحركة التاريخية تجعل كل حضارة تقع بين حدين: ميلاد وأفول والمرحلة بينهما هي مرحلة الانتشار والتوسع، وهو قانون عام ينطبق على الحضارة الإسلامية كما ينطبق على بقية الحضارات، وقد مرت بهذه المراحل حسب طابع ثقافة المجتمع وقيمته النفسية والاجتماعية”. (ص 66).

نجد أن مالك بن نبي رحمه الله يتعامل مع التخلف كظاهرة من خلال مفهوم اجتماعي يشير إلى حالة كساد الطاقات الاجتماعية تحدث بسبب تفكك العلاقات الرابطة بين ثلاثية العناصر الأولية للتكوين الحضاري: إنسان، تراب، زمان، من خلال العنصر المحفز الذي هو الدين



إن ما يقرره مالك بن نبي حول توقف إشعاع العقل بفعل فراغ الروح في المرحلة الغرائزية، يشير إليه ابن خلدون، حيث إن ضعف الإبداع يرجع إلى اضطراب العمران وانتشار الظلم وقهر الرعية وكبت الحريات، وهي من خصائص مرحلة الهرم. مقابل ذلك، فإن الإبداع العقلي التمدني إنما يزدهر في مرحلة الحضارة، حين تستقر الدولة وينتشر عمرانها وتزدهر المعايش ويأمن الناس على أنفسهم وأموالهم”. (ص 71 ـ 72).

ويستدل أن “هذا ما يؤكده واقع الحضارة الغربية اليوم، بما تعرفه من ازدهار مادي وتقدم عملي وتقني غير مسبوق بفعل التنظيم الدقيق وجو الحرية، رغم كل ما تعانيه مجتمعاتها من فراغ روحي يشتكي منه عقلاؤهم. في نظر أحمد عروة، فإن المراحل الثلاث التي حددها مالك بن نبي رحمه الله: مرحلة الصعود (الروح)، مرحلة الاستقرار والانتشار (العقل)، مرحلة الأفول والهبوط مرحلة (الغريزة)، لا يمكن التسليم بها كمراحل حدية، إذ لا يمكننا أن نضع دول العالم الإسلامي كله التي تفككت في سياق حضاري واحد، فالحركة الحضارية تختلف حسب لحظات تاريخية مختلفة، فالخط العام للحضارة يصعد ثم ينزل، لكن هناك تطور الامبراطوريات وهو غير تطور الحضارات. كما أن هناك تطورا لحضارات محلية كغرناطة وتلمسان وبجاية، فخط السيرورة التاريخية للحضارة الإسلامية عرف تعرجات كثيرة حسب مراحل، وظروف تاريخية استمرت إلى إسقاط الخلافة العثمانية عام 1924م، ثم تكالب القوى الكبرى على العالم الإسلامي بما يسمى بظاهرة الاستعمار الحديث، وهنا يبدأ الانهيار التام”. (ص 72). 

حول مفهوم الحضارة عند مالك بن نبي 

يقول صاحب الكتاب: “من خلال فكرة مالك بن نبي عن حالة التخلف الحضاري، فإني أرى عناصر الحضارة تتحول إلى عناصر مفككة فاقدة لقيمتها الحيوية، يمكنني تمثيلها في صورة إنسان تائه في وقت ضائع على تراب بائر.. صورة تراجيديا المجتمع المتخلف، فإذا تاه الإنسان ضاع الوقت وبار التراب، وهو معنى مرتبط بالمفهوم الوظيفي البنابي للحضارة، الذي يجمع بين وجهين: الحضارة كمدنية (الجانب المادي التعميري) والحضارة كثقافة (الجانب الخلقي، السلوكي، التربوي والجمالي..) والمسوغ الذي جعل مالك يضع هذا المفهوم هو ملاحظاته حول بعض الظواهر الاجتماعية، حيث إن الفرد الأوروبي يتلقى الدعم اولرعاية والمساندة كافة في مجتمعه، بينما الفرد المسلم (الجزائري) يفقد كل ذلك ببساطة؛ لأن الأول قدر له العيش في مجتمع متحضر، والثاني قدر له العيش في مجتمع متخلف”. (ص 81).

إن “التقدم الحقيقي في الحضارة هو التقدم على نوازع الإنسان، ولا يكفي أبدا أن يحقق الإنسان سيادته على الطبيعة ليتجنب حركته تجاه البربرية”. (ص 82).

عربي 21

“نجد أن مالك بن نبي رحمه الله يتعامل مع التخلف كظاهرة من خلال مفهوم اجتماعي يشير إلى حالة كساد الطاقات الاجتماعية، تحدث بسبب تفكك العلاقات الرابطة بين ثلاثية العناصر الأولية للتكوين الحضاري: إنسان، تراب، زمان، من خلال العنصر المحفز الذي هو الدين أو بالأحرى العقيدة الدينية، وعليه فتحديد التخلف لا يرتبط بالناحية الاقتصادية وحدها كما هو شائع، بل يتعلق بالحضارة بشكل عام”. (ص 82).

كان لانتقام الأفكار المطبوعة آثاره حتى على العقل المسلم ذاته فيما يعانيه من أزمة متعددة الجوانب، أرجعها بعض المستشرقين إلى طبيعة العقل الشرقي نفسه، ومن مظاهر هذا الانتقام أنه أصبح أسير السطحية والتسرع في الأحكام حتى أضحى عاجزا عن إدراك حقيقة الظواهر، فغفل عن أبعاد آيات القرآن وأحاديث السنة، فاكتفى باستظهارها شكليا دون معرفة وفهم محتواها.. ولما اصطدم بحضارة الغرب انشغل بمعرفة طرق الحصول على أشيائها، دون أن يكلف نفسه البحث في كيفية إبداعها، مما أثر في نفسية المسلم فأضحى هائما يلهث وراء اقتناء وتكديس هذه الأشياء، ظنا منه أنه يبني بذلك حضارة من خلال استيراد أشيائها التي أبدعت عقولا أخرى وغفل عن حقيقة بديهية، وهي أن الحضارة لا تبيع له روحها وإن باعت أشياءها، لأن الحضارة أخيرا بناء ثقافي وليست تكديسا.. وبذلك اختلط على العقل المسلم الجوهر بالشكل، حتى أضحى العلم نفسه أسير الشكليات ونيل الألقاب والشهادات ووسيلة للتباهي والنفخ الفارغ وترديد ما يقوله الآخرون، وأضحى العقل عندنا أسير السلبية والعجز والتبطيل. (ص 86).

زر الذهاب إلى الأعلى