تراويح العيد عبادة /الكورى عبد البركة

مكانة العيد في الاسلام مكانة كبيرة، فهو من شعائر الإسلام وآدابه العظيمة وعباداته الفضيلة، فقد أخرج أبو داوود عن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: قدمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المدينةَ ولَهم يومانِ يلعبونَ فيهما فقالَ “ما هذانِ اليومانِ” قالوا كنَّا نلعبُ فيهما في الجاهليَّةِ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: “إنَّ اللَّهَ قد أبدلَكم بِهما خيرًا منهما يومَ الأضحى ويومَ الفطرِ”. وقد قال الله عز وجل حكاية عن عيسى عليه السلام: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ}. فعلم من هذا أن الأعياد مِنَ الشعائر الدينيةِ الَّتي تختصُّ بها كلُّ أُمَّةٍ عن غيرِها، وأن الله تعالى اختص أمَّة الإسلامِ بعيدي الفطرِ والأضحى.

وهذه المكانة قد لا يدركها كثير من الناس؛ فلا يعلمون أن الأعياد عبادة وشعيرة تمثل فرصة وموسما للخير وإظهار فضائل الله ونعمائه على عباده، والفرح بها والتعبد له بالحمد والشكر والابتهاج والسعادة بها وما يصاحب ذلك عادة من زينة وتجمل في المظهر والسلوك والأخلاق والمودة والمحبة والعطف والرّحمة والتّعاون والتآلف والتكاتف والتكافل والبر والصلة تطبيقا لقول الله عز وجل: {وَأمَّا بِنَعمَةِ رَبّك فَحدّث}. وتعزيزا لقيم التراحم والتغافر والتسامح والاحترام والتقدير بين الإخوان بما يبعث في النفوس من الأمل والبشر ومن أريحية الخلق ولطف الروح ولين الجانب وطلاقة الوجه وانشراح الصدر؛ فكل ذلك من شعائر الله التي تمثل أصل الرسالة ومبعثها {وَمَا أرْسلنك إلا رحمةً للعالمين}. وقد أخرح الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ نظر للحبشة يلعبون في المسجد فقال: “لتعلم يهود أن في ديننا فسحة”، وفي مُسندِ الحارثِ بيانٌ لِعلَّةِ قولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حيثُ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “خُذوا يا بَني أرفِدةَ؛ حتَّى يعلمَ اليهودُ والنَّصارَى أنَّ في دينِنا فُسحةً”. وفي ذلك (بيانُ أنَّ الإسلامَ فيه فُسحةٌ مَشروعةٌ للَّعِبِ والتَّرويحِ في أوقاتٍ مَعلومةٍ بما لا يُخِلُّ بثوابتِ الشَّرعِ). وقال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: “إظهار السرور في العيد من شعار الدين وإعلان أمره والإشادة بذكره، وليس كسائر الأيام سواء”. ومن أروع ما قيل في وصف العيد ودلالاته المعنوية والمنطقية ما قاله الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى: “العيد قطعة من الزمن خصصت لنسيان الهموم واطراح الكلف واستجمام القوى الجاهدة في الحياة”.

فمتى ندرك قيمة هذه الشعيرة العظيمة ونوفيها حقها؟ ونعلم أن تراويح العيد هي عبادة اللحظة، وأنه لا بأس في التقرب إلى الله تعالى بنحو ما تم بسطه آنفا:

والعيدُ يحلو بين جمعِ أحبةٍ

                        ‏هم سلوةٌ للروح هُم أعيادي

‏أهديتهم قلبًا تعلق قُربهُم

                       ‏ولقد خصصتُهمُ بحُبِّ فؤادي

مبارك عيدكم وكل عام وأنتم بخير

زر الذهاب إلى الأعلى