جذاذة / أحمدو الإمام

جذاذة:
مما كان العرب يَتمدَحون به – حتى بعد جاهليتهم – قولُهم للرجل الذي يتزوج كرائم النساء: “فلان كريم المفارش”، واحدتهن بزنة مفعل من “فَرَشَ”.
ولهذا الحرف (ائتلاف الفاء، والراء، والشين) في مراجع اللغة اشتراك جمع مصنفو المعاجم من معانيه استعمالات كثيرة، وبقي الكثير. بيد أن دلالاتِها كلها، أو جلها، لا تخرج عن وصف الشيء بالمنتشر، أوالمنبسط أوالمتسع، أوالمنبث، ونظائر ذلك، من أبنية الكينونة..
فالفراش مثلا، هو كل ما يُفترَش من حصائر، أو حشايا، أو زراب، أو أسِرَّة، ومتَّكآت. وفرَشَ الفراش مده، وبسطه، ونشره. وقوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فَرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} البقرة: 22. أي: فضاء، موطأ، ممتدا، واسعا.
والفَرِيش: الجارية (أم الولد) والفِراش الزوج. والفُرُش، والمفارش، النساء. وقوله تعالى: {وَفُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ} الواقعة: 34. قيل: هن نساء أهل الجنة. رفعهن جمالُهن عن نساء أهل الدنيا. وقيل غير ذلك.
والفراشان لِلِجام الفرس، الحديدتان اللتان يُربَط بهما العِذاران. والعذاران، هما السيران اللذان يلتقيان، فيشدان عند القفا (مؤخر الرأس من بين الأذنين).
والفَراش: البُقُِ حشرات ليلية أصغر من الجراد. وقوله تعالى: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} القارعة: 03. أي كالبق الذي يتهافت على ضوء النار.
والفَرْش الزرع إذا صارت له ثلاث ورقات أو أكثر. والفرْش أيضا، صغار الأنعام. في قوله تعالى: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللهُ} لأنعام: 142. سواء فيه الواحد والجمع. أي: تحملون الأثقال على كبارها، وتأكلون لحوم صغارها.
وفي الأثر: “في الظِّفْر فَرْش من إبل”. أي: في ديته. وفي مرويات الشواهد:
له إبل فرْش وذات أسنة @ صُهابية حانتْ عليه حقوقُها.
صهابية: لونها أبيض مشاب بحمرة. حانت حقوقها بلغت النصاب. وفي المرويات أيضا:
ولنا الحامل الحَمولة والفرْ @ ش من الضأن. والحصون السيوف.
والفَرْش في علوم المقارئ – وتسمى أيضا الجزئيات – هي الأحكام الخاصة ببعض الكلمات القرآنية التي اختلف فيها القراء، أو الرواة. لأنها لا تندرج ضمن قاعدة من أصول القراءة. وسُميت بالفَرْش لتفرقها، وانتشارها، في سُوَّر القرآن الكريم. وفاؤها مفتوحة في المفرد، مضمومة في الجمع. وما سوى الفُروش القرائية، هو الأصول. ويُسمى أيضا، الكليات لأن حُكمه كلي عام ينطبقُ على جزئياته. فهو قواعد مطردة يسير القارئ، أو الراوي، في قراءته على مراعاتها.
والفرْش في منهجية أبي عمرو أحمد بن محمد بن عبد ربه، التي بنى عليها تصنيف أبواب موسوعته: (العِقد الفريد) تعنى التوطئة أو التقديم، أو التلخيص. فقد اورد – رحمه الله – في فَرْشِ الباب الأول (كتاب اللؤلؤة – في السلطان) ما يلي:
“السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوام الحدود. والقطب الذي عليه مدار الدين والدنيا. هو حمى الله في بلاده، وظله الممدود على عباده. به يمتنع حريمهم، وينتصر مظلومهم، وينقمع ظالمهم، ويأمن خائفهم”. قال الحكماء: “إمام عادل، خير من مطر وابل. وإمام غشوم، خير من فتنة تدوم. ولَمَا يزع الله بالسلطان، أكثر مما يزع بالقرآن”
وعن وهب بن منبه، فيما أنزل الله على نبيه داود عليه السلام: “إني أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي. فمن كانوا لي على طاعة، جعلتُ الملوك عليهم رحمة. ومن كانوا لي على معصية، جعلتُ الملوك عليهم نقمة”
ثم أورد في فَرْشِ الباب الثاني (كتاب الياقوتة – في العلم، والأدب) ما يلي:
“العلم والأدب هما القطبان اللذان عليهما مدار الذين والدنيا. وفرْق ما بين الإنسان، والحيوان. فهما مادة العقل، وسراج البدن، ونور القلب، وعماد الروح. وقد جعل الله بلطيف قدرته، وعظيم سلطانه، بعض الأشياء عَمَدا لبعض ومتولدا من بعض.
فإجالة الوهم فيما تُدركه الحواس، تبعث خواطر الذكر. وخواطر الذكر تنبه روية الفكر. وروية الفكر تنير مكامن الإرادة. والإرادة تحكم أسباب العمل. فكل شيء يقوم في العقل، ويمثل في الوهم، يكون ذكرا، ثم فكرا، ثم إرادة، ثم عملا. والعقل يتقبل العلوم، كما يتقبل البصر الألوان، وكما يتقبل السمع الأصوات. والعلم علمان: علم حُمل، وعلم استُعمل. قيل للمهلب بن أبي صفرة: “كيف أدركت ما أدركتَ؟ قال بالعلم. فقيل له: علم غيرك أكثر من علمك، ولم يدرك ما أدركتَ! فقال: ذلك علم حُمل، وهذا علم استُعمل!”
وقال الأصمعي: “أول العلم الصمت، وثانيه الاستماع، وثالثه الحفظ ، ورابعه العمل، وخامسه نشره”.
وقيل: لا تمنعوا العلم أهله فتظلموهم. ولا تعطوه غير أهله فتظلموه. ونظم أحدهم، فقال:
مَـن منـع الـحكـمـةَ أربابـَها @ أصبح في الحكم لهمْ ظالما
وواضع الحكمة في غيرهمْ @ يكون في الحكم لها غاشما
سمـعـتُ يوما مثــلا سائـرا @ وكنتُ في الشعـر له ناظما:
لا خير في المرء إذا ما غدا @لا طالبا عـلــما ولا عـالما
وفي الأثر: “إذا استرذل الله العبد حظر عليه العلم”
هذان إذا فرْشان نموذجان من الفُرْش وفق منهج ابن عبد ربه لأبواب عِقده.
إلى جذاذة جديدة – السلام عليكم.

زر الذهاب إلى الأعلى