غايات الإنسان السوي ح 3/عبد الرحمن حدن

  • أما الغاية الثالثة، فهي: (الأثر الحسن)، الذي يُذكر به المرء في حياته، ويُترحم عليه به بعد مماته -وهو تابع للغايتين السابقتين لأن العمل له في العموم إما شرك أكبر أو أصغر- وهو في نفس الوقت أمر محبب للأنفس، ولم يعارض الإسلام التشوف له، إذ الذكر الحسن يعتبر عمرا ثان للإنسان، لذا سأله إبراهيم الخليل عليه السلام لربه عز وجل، فقال: “واجعل لي لسان صدق في لآخرين”، ومن النبيئين مَن امتن الله به عليه، قال تعالى: “وتركنا عليه في الآخرين”.
    وقال ابن دريد رحمه الله تعالى:
    وإنما المرء حديث بعده @ فكن حديثا حسنا لمن وعى.
    وقال أحمد شوقي رحمه الله:
    فارفع لنفسك بعدَ موتكَ ذكرها @ فالذكرُ للإنسان عُمرٌ ثاني.
    وهذا الذكر الحسن يأتي في الغالب تلقائيا لمن تمكن من تحصيل الغايتين الأولى والثانية.
    ومما ينبغي أن يذكَّر به من تفضل الله عليه فوهبه الذرية قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)} [التغابن : 14-15]، وقوله: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبإ : 37].

إن هذه الهِبَة العزيزة العظيمة المحببة للناس والتي يسعى الجميع لها ترتب على من أنعم الله بها عليه حقوقا جسيمة وإكراهات كبيرة، ففي الحديث الذي رواه البيهقي والحاكم وصححه: “إن الولد مبخلة مجبنة…”، وأعمالا دؤوبة وحذرا متواصلا لحماية الفطرة التي فطر الله عليها كل مولود وتنميتها في الاتجاه الصحيح الذي تكون به ذرية صالحة محقِّقة للغاية الأصليةمنها.

ومن حرمه الله الغاية الثانية فلا تفوتنه الغايتان: الأولى والثالثة، وليعلمن أن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه، قال صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» رواه مسلم.

وإني لأتضرع إلى الله جل وعلا وأدعوه بما دعاه به أنبياؤه ورسله وعباده الصالحون أن يرزقني ويرزق إخوتي وأحبتي وأصدقائي والمؤمنين جميعا بما تضمنته هذه الدعوات المباركات المستجابات بإذن الله تعالى:

  • {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء : 89]
  • {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85)} [الشعراء : 83-85]
  • {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان : 74].

فلنحرص جميعا على أن تتحق لنا هذه الغايات على أحسن وأكمل ما يستطاع.
اللهم وفقنا وأعنا وتقبل منا وزدنا وتفضل علينا، فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب).
بقلم: عبد الرحمن محمد حدن

زر الذهاب إلى الأعلى