نحو خطاب إسلامي معاصر (3)/ محمد جميل منصور


ملاحظة: أخر العيد وعطلته وما بعده هذه الحلقة عن وقتها.
أوضحت في الحلقة الماضية ما أسميته المنطلقات والتجليات والخلاصات في موضوع المرأة والنظرة إليها تحررا ومكانة ودورا وشراكة، ووعدت بالتوقف عند بعض القضايا الإشكالية في هذه الحلقة وها أنا أفعل راجيا التوفيق والتسديد.
وفي المفتتح أورد ملاحظتين مهمتين، أما الأولى فهي سلوك المسلم في شأن ما يثبت في النصوص الصحيحة، وهو التسليم والاستسلام، فالله أدرى بمصالح عباده، ورد أحكام الشرع الصحيحة لفهم قاصر أو هوى متحكم رقة في الدين وخلل في الفهم.
وأما الثانية فهي أن هذا التسليم لا يتعارض مع إعمال أساليب الفهم والتأويل الصحيح الذي دعي به لابن عباس رضي الله عنهما، وقد أوضحت في الحلقة الأولى أطرافا من المنهجية المطلوبة، ولندخل في الموضوع:
1 – حول حديث البخاري المشهور وهو المعروف بحديث أبي بكرة “لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ. قَال: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً).
لقد بحث أهل الاختصاص في هذا الحديث سندا ومتنا، فوجدوا له خمسا وعشرين رواية، ست منها في مسند الإمام أحمد وثلاث منها في مسند البزار وثلاث أخرى في مستدرك الحاكم واثنتان عند كل من البخاري في صحيحه وابن أبي شيبه في مصنفه والنسائي في سننه والبيهقي في سننه الكبرى وواحدة في كل من مسند الطيالسي وسنن الترمذي وصحيح ابن حبان ومعجم الطبراني ومسند الشهابي للقضاعي، وكل هذه الروايات مدارها على أبي بكرة رضي الله عنه، إلا رواية الطبراني فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه.
وعلى فضل وصحبة أبي بكرة رضي الله عنه، فقد رد عمر بن الخطاب رضي الله عنه شهادته، وجلده في قصة قذفه وآخرين للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وقد نسب ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين للقاضي اسماعيل عن أبي الوليد عن قيس بن سالم عن قيس بن عاصم قال: ” كان أبوبكرة إذا أتاه رجل يشهده قال: أشهد غيري فإن المسلمين قد فسقوني”
وكان الاسماعيلي كما في فتح الباري قد فسر جمع البخاري بين قبوله رواية أبي بكرة رغم رد شهادته في قصة المغيرة بالفرق بين الشهادة والرواية حيث يطلب التثبت في الأولى أكثر من الثانية.
أما متن الحديث فيطرح إشكالا من نوع آخر، فما الذي يقصده النبي صلى الله عليه وسلم بالفلاح هنا، أهو الفلاح دينيا وهذا لا ينتظر من الكفار قادهم رجال أم نساء، وسبب ورود الحديث في أكثر الروايات عن الفرس وحكمهم، أم هو الفلاح دنيويا من حيث التدبير وحسن القيادة، وقد حكى لنا التاريخ قصص نساء قدن أممهم باقتدار ونجاح، والحديث لا يناقض الحقائق المثبتة وهنا يتعين البحث عن دلالة النص وما يرمي إليه الصادق المصدوق، والأمر قريب
لنستعن بالشيخ محمد الغزالي رحمه الله، فبعد إيراده لظروف فارس حينها واعتبار الحديث وصفا لها قال:
” ولك أن تسأل ماذا يعني، وأجيب بأن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ على الناس في مكة سورة النمل، وقص عليهم في هذه السورة قصة ملكة سبأ التي قادت قومها إلى الإيمان والفلاح بحكمتها وذكائها، ويستحيل أن يرسل حكما في حديث يناقض ما نزل عليه من وحي” وبعد تلخيصه لقصة بلقيس وسليمان التي ختمتها “رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين…” علق الشيخ محمد الغزالي على طريقته :
” هل خاب قوم ولوا أمرهم امرأة من هذا الصنف النفيس؟ إن هذه المرأة أشرف من الرجل الذي دعته ثمود لقتل الناقة ومراغمة نبيهم صالح”
ويرى د.محمد عماره في الحديث نبوءة بمصير لا تقريرا لحكم وخيار، يقول رحمه الله : “فملابسات ورود الحديث تجعله نبوءة سياسية بزوال ملك فارس وهي نبوءة قد تحققت بعد ذلك بسنوات، أكثر منه تشريعا عاما يحرم ولاية المرأة للعمل السياسي العام”
وقد أوضحت الكاتبة العراقية كفاح حداد حقوقا ربطتها بالآيات القرانية فاعتبرت أن”آية البيعة منحت المرأة حق التصويت والانتخاب…..وآية الهجرة منحت المرأة حق اللجوء السياسي……وآية المباهلة منحتها حق المشاركة في المؤتمرات والهيئات ……وآية المجادلة تلزم بالاستماع إليها…. وآية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تثبت الأدوار الاجتماعية والإصلاحية……”
هذا فضلا عن أن الذين ينطلقون من حديث ” لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ” ليؤسسوا عليه إجماعا، يحصرونه في الإمامة العظمى دون غيرها.
وهكذا يتبين أن حديثا فيه مقال من حيث السند وإن كان محدودا، وفيه مقال من حيث المتن والفهم والدلالة، لا يمكن أن يكون كافيا لمنع المرأة من المسؤوليات العامة وتولي أمور الناس تمثيلا وإدارة ووزارة ورئاسة.
في الحلقة القادمة بقية الإشكالات التي يطرحها فهم بعض النصوص.

زر الذهاب إلى الأعلى