قراءة في كتاب “ميتران والأربعون حرامي” / محمد السالك إبراهيم

(1) قراءة في كتاب “ميتران والأربعون حرامي” للصحفي الإستقصائي جان مونتالدو/// في مساء السابع من إبريل سنة 1994، كان الظلام قد عم فناء قصر الإليزيه ولفَّه في هدوء عميق، لكن سكون الليل ما لبث أن تلاشى مع الهرج والمرج الذي دب فجأة في الجناح الغربي للقصر.

ساد ذعر كبير في ردهة الطابق الأول، حيث كان الحارس الشخصي لمستشار الرئيس المدعو فرانسوا دوراند دي گروسوفر، يتكئ على الحائط وهو يغالب الغثيان بعد أن اكتشف بشاعة المشهد.. وهو الذي صعد للتو لاصطحاب المستشار العجوز، الذي كان من المنتظر أن يتناول العشاء مع الوزير الغابوني الزائر جورج رويري..

كان مستشار الرئيس ميتران، جالسا في المقعد بمكتبه لكنه جثة هامدة، ولا تزال يده اليمنى تمسك مسدسا من نوع 357Magnum ، وهي مستلقية على صدره. دخلت الرصاصة التي أطلقها من الذقن وهشمت الجزء العلوي من الرأس، بينما سالت دماء كثيرة على سجادة المكتب، وتطايرت شظايا دماغية حتى السقف.

هكذا تم العثور على مستشار الرئيس ميتران ميتًا، منتحرًا في مكتبه بالإليزيه. هذا المستشار هو رفيق قديم للرئيس فرانسوا ميتران، وكان نوعا ما عقله المدبر لمدة خمسة وثلاثين عامًا، ومؤتمنا على كل أسراره بما فيها تلك الأكثر حميميَّة.

لكن الصحفي الاستقصائي الفرنسي جان مونتالدو، كان قد تمكن منذ عام 1982 ومع بدايات إجراءه للتحقيقات الكبرى في فساد الحزب الاشتراكي، من عقد لقاءات منتظمة مع هذا المستشار العتيد، بعيدًا عن الأنظار. وخلال كل تلك السنوات نال ثقته، وأصبح المستشار العجوز صديق الصحفي المحقق، فأعطاه أسرارًا مقلقة حول كواليس دولة الحزب الاشتراكي، وشبكات المال السياسي والأعمال المرتبطة به، ولكن الأهم، هو أن المستشار العجوز قد زود صاحبنا بمعطيات دقيقة حول الأربعين حرامي الذين ظل رئيس الجمهورية يتغاضى عنهم، بل ويشجعهم أحيانًا، ويحميهم دائمًا.

وهكذا طبقا لاعترافات وتسريبات المستشار العجوز، مدعمة بما حصل عليه الصحفي الاستقصائي من خلال إعادة تركيب وإلصاق أجزاء الأوراق المقطعة من وثائق الحزب الاشتراكي المرمية في القمامة، والتي كان الكاتب يتسلل إليها كل مساء ويقوم بإفراغ جميع سلات القمامة في أكياس بلاستيكية خاصة، قبل أن تصل إلى المكان فرق النظافة.. ثم يذهب بها إلى شقة خصصها للفرز وإعادة التركيب واللصق.. وبهذه الطريقة الغريبة، تمكن بعد أكثر من عام من الاجتهاد والمثابرة، أن يكشف بدقة أغلبية فضائح الفساد التي تورط فيها الحزب الاشتراكي الفرنسي، وأن يعيد رسم ملامحها مدعمة بالمعلومات والأرقام..

لقد كشف مونتالدو من خلال تحقيقات موثقة، كيف كان يتعين على الشركات الراغبة في الحصول على الصفقات والعقود العمومية أن تدفع، عن طريق فواتير مزورة، نسبة 2٪ إلى 4٪ من مبلغ العقود المعنية لشبكة من الشركات والمكاتب الاستشارية التي يرعاها الحزب الإشتراكي من بينها URBA و SAGES و BLE و GRACCO وبالطبع، كانت هذه الأساليب غير مشروعة وغير قانونية.
بعد ذلك، تقوم تلك المكاتب الإستشارية المزعومة بدفع بنسبة 40٪ من تلك العمولات في خزائن الحزب الاشتراكي من أجل تمويل فعاليات الحزب وحملاته الانتخابية.

لكن، بفضل العمل الاستقصائي الذي قام به مونتالدو، والذي تابعه وعمقه القضاء فيما بعد، حصلت نتائج مهمة، حيث تم في سبتمبر 1992 توجيه تهمة “إخفاء المسروقات والتواطؤ في استغلال النفوذ” فيما يتعلق بالأموال التي جمعتها SARTHE و SAGES باعتبارهما شركتين متفرعتين من URBA، إلى رئيس الجمعية الوطنية السيد هنري إيمانويلي، وهو أحد قياديي الحزب الاشتراكي الفرنسي، بحكم مسؤولياته السابقة في زمن الوقائع، عندما كان أمين الصندوق في الحزب الاشتراكي. وفي مايو 1995، قضت المحكمة الجنائية على السيد هنري إيمانويلي بالسجن لمدة عام مع وقف التنفيذ وغرامة قدرها 30 ألف فرنك فرنسي.

كذلك، يكشف مونتالدو في صفحات هذا الكتاب، الذي نُشر عام 1994، عن فضائح الرئيس ميتران، وأغلبها – كما قلنا- تتعلق بتقاضيه هو وقيادات حزبه الاشتراكي، من مشاريع حكومية وشركات خصوصية، عمولات كبيرة، غير مشروعة، يعاقب عليها القانون لاستغلال سلطته كرئيس للجمهورية. كما تطرق الكتاب للعلاقات النسائية المتعددة للرئيس، بما في ذلك علاقته بالكاتبة الفرنسية الشهيرة فرنسواز ساجان، وذكر أولاده غير الشرعيين..

في هذا الكتاب، يفتح مونتالدو الكثير من الملفات الساخنة والسرية والمشوقة، التي تعطي للقارئ مفاتيح لفهم النظام الفاسد الذي أسسه الحزب الإشتراكي في فرنسا وآليات عمله في تغطية الرشوة والفساد والنهب.. وهو النظام الذي انتهى به الأمر إلى سلسلة فضائح مجلجلة على مدى سنوات عديدة، أدت إلى الإسراع بانهيار ذلك الحزب العتيد، أخلاقيا وسياسيا وشعبيا، خاصة بعد انتحار كل من رئيس الوزراء الأسبق بيير بيريجوفوي، ووزير مالية الرئيس ميتران، وكذلك مستشاره الخاص الرجل العجوز فرانسوا دي گروسوفر، بطريقة دراماتيكية .

في جميع أعماله، يتسلح مونتالدو بميزات قوية، فهو -كما يقول عن نفسه- يحمل في يده نسخة من قانون العقوبات، وفي يده الأخرى، دفتر عناوين أضخم من دليل الهاتف.. لكن سلاحه الأمضى يظل فنَّه الجميل، وطريقته في البحث والتقصي بمهارة وسلاسة، إضافة إلى أسلوبه المميز في الكتابة، الذي لا مثيل له في القدرة على مزج الوقائع والتحريات مع فن القصة وجمال السرد التشويقي الذي لا يقبل أن يضحي فيه بدقة وواقعية التحقيق والاستقصاء.

يبقى فقط أن نذكر من باب الطرافة، بأنه وبعد سنوات عديدة من صدور كتاب “ميتران والأربعون حرامي” للكاتب الصحفي الإستقصائي مونتالدو، الذي يظهر في الصورة بملامح الممثل السينمائي الفرنسي الشهير جان بول بلموندو، لم يعترض أيُّ من اللصوص الأربعين المذكورين على ما جاء به في الكتاب.

زر الذهاب إلى الأعلى