في ظلال آية/سيد قطب

(( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب)).

وفي مجال التربية للجماعة المسلمة يكشف لها عن البواعث الفطرية الخفية التي من عندها يبدأ الانحراف، إذا لم تضبط باليقظة الدائمة، وإذا لم تتطلع النفس إلى آفاق أعلى، وإذا لم تتعلق بما عند الله وهو خير وأزكى.

إن الاستغراق في شهوات الدنيا ورغائب النفوس ودوافع الميول الفطرية هو الذي يشغل القلب عن التبصر والاعتبار، ويدفع بالناس إلى الغرق في لجة اللذائذ القريبة المحسوسة، ويحجب عنهم ما هو أرفع وأعلى، ويغلظ الحس فيحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة، ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض، واللائقة كذلك بمخلوق يستخلفه الله في هذا الملك العريض ولما كانت هذه الرغائب والدوافع مع هذا طبيعية وفطرية ومكلفة من قبل الباريء جل وعلا أن تؤدي للبشرية دورا أساسيا في حفظ الحياة وامتدادها فإن الإسلام لا يشير بكبتها وقتلها ولكن إلى ضبطها وتنظيمها وتخفيف حدتها واندفاعها، وإلى أن يكون الإنسان مالكا لها متصرفا فيها لا أن تكون مالكة له متصرفة فيه، وإلى تقوية روح التسامي فيه والتطلع إلى ما هو أعلى.

ومن ثم يعرض النص القرآني الذي يتولى هذا التوجيه التربوي هذه الرغائب والدوافع ويعرض إلى جوارها على امتداد البصر ألوانا من لذائذ الحس والنفس في العالم الآخر ينالها من يضبطون أنفسهم في هذه الحياة الدنيا عن الاستغراق في لذائذها المحببة ويحتفظون بإنسانيتهم الرفيعة.

وفي آية واحدة يجمع السياق القرآني أحب شهوات الأرض إلى نفس الإنسان النساء والبنين والأموال المكدسة والخيل والأرض المخصبة والأنعام وهي خلاصة للرغائب الأرضية إما بذاتها وإما بما تستطيع أن توفره لأصحابها من لذائذ أخرى، وفي الآية التالية يعرض لذائذ أخرى في العالم الآخر جنات تجري من تحتها الأنهار وأزواج مطهرة، وفوقها رضوان من الله، وذلك كله لمن يمد ببصره إلى أبعد من لذائذ الأرض ويصل قلبه بالله على النحو الذي تعرضه آيتان تاليتان (( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد الذي يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار)).

زين للناس وصياغة الفعل للمجهول هنا تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل، فهو محبب ومزين وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه الشهوات وهو جزء من تكوينه الأصيل لا حاجة إلى إنكاره ولا إلى استنكاره في ذاته فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو وتطرد كما أسلفنا ولكن الواقع يشهد كذلك بأن في فطرة الإنسان جانبا آخر يوازن ذلك الميل ويحرس الإنسان أن يستغرق في ذلك الجانب وحده، وأن يفقد قوة النفخة العلوية أو مدلولها وإيحاءها هذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي والاستعداد لضبط النفس ووقفها عند الحد السليم من مزاولة هذه الشهوات الحد الباني للنفس وللحياة، مع التطلع المستمر إلى ترقية الحياة ورفعها إلى الأفق الذي تهتف إليه النفحة العلوية وربط القلب البشري بالملإ الأعلى والدار الآخرة ورضوان الله.

زر الذهاب إلى الأعلى