نحو خطاب إسلامي معاصر (4)/محمد جميل منصور

في هذه الحلقة وهي الأخيرة في موضوع المرأة نواصل مناقشة الإشكالات التي طرحتها بعض النصوص، التي تعددت وتنوعت وتباينت الفهوم بشأنها، بين آخذ بظاهرها، وحائر في شأنها، وفاهم لها على ضوء المقاصد العامة والنصوص الأخرى بتكامل يلغي التناقض والتعارض.


2 – يقول الله تعالى : “…… وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ ……..”.


وقد جرى نقاش واسع حول مدلول هذه الآية، بعضه قديم، وأكثره جديد، وانقسم الخطاب الإسلامي في شأنها إلى ثلاث مدارس، مدرسة تأخذ بظاهر الآية وتقر بنصفية شهادة المرأة من شهادة الرجل بإطلاق، بل تعدي تلك النصفية إلى المرأة بالمقارنة مع الرجل، وترى في كل تأويل أو تفسير آخر تعسفا في الفهم أو تنازلا في الشرع، ومدرسة لا تنضبط في تأويلها فتقول بتاريخية النص، ولا ترى له امتدادا في الزمن، ومدرسة ثالثة تبحث في المعنى وتتجنب ضبط القواعد الكلية على حالة، مقامها بالأساس مقام استيثاق على الحقوق أكثر منه مقام قضاء بها.


وقد أعاننا شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الموضوع، عندما علق على آية البقرة قائلا: ” فيه دليل على استشهاد امرأتين مكان رجل، إنما هو لإذكار إحداهما الأخرى، إذا ضلت، وهذا إنما يكون فيما فيه الضلال في العادة، وهو النسيان وعدم الضبط ” ثم يكمل في جرأة ووضوح “فما كان من الشهادات لا يخاف فيه الضلال في العادة لم تكن فيه على نصف الرجل” .


ويكمل الفهامة ابن القيم : “و المرأة العدل كالرجل في الصدق والأمانة والديانة، إلا أنها لما خيف عليها السهو والنسيان قويت بمثلها، وذلك قد يجعلها أقوى من الرجل الواحد أو مثله، ولاريب أن الظن المستفاد من شهادة مثل شهادة أم الدرداء وأم عطية، أقوى من الظن المستفاد من رجل واحد دونهما ودون أمثالهما”.


وقد ذهبت المذهب نفسه وبلغة أكثر صراحة الدكتورة مريم آيت أحمد في كتابها القيم “المرأة المسلمة بين تحديات التمكين ومستقبل التنمية” فقالت تعليقا على الآية الكريمة: “إذن فالآية الكريمة لم تكن بصدد وضع معادلة كلية، مفادها اشتراط امرأتين في مقابل شهادة رجل واحد، وإنما مراعية لطبيعة الحياة الاجتماعية، حيث المرأة كانت غائبة عن الحضور المباشر لواقع الرؤية والمشاهدة للمعاملات التجارية، فمن الطبيعي أن يشمل القرآن الكريم هذا المظهر الاجتماعي، ويحتاط باقتراح انضمام امرأتين في الشهادة، لاسيما في حقل إثبات الحقوق المالية، وعلى العكس من ذلك قبلت شهادة المرأة دون الرجل في أمور الرضاع والحضانة وإثبات النسب ونحو ذلك، لأنها أكثر اتصالا ومعرفة بهذه الأمور من الرجل”.


وقد نقل ابن القيم عن الشعبي قوله: ” من الشهادات ما لا يجوز فيها إلا شهادة النساء”.


إذن فنحن لسنا أمام تقرير شرعي بنصفية شهادة المرأة بالمقارنة مع شهادة الرجل، ومن باب أولى لسنا أمام تقرير شرعي لنصفية المرأة للرجل، بل أمام تقدير لأحوال، واستصحاب لقدرات، ونظر فيما استقر عند الناس من عادات وتوزع أدوار، ومن هنا تكون شهادة الرجل أعظم قدرا فيما استقر اطلاعه عليه أكثر وإمكانية “ضلال” المرأة فيه بحكم عدم المعرفة والاطلاع، وتكون شهادة النساء مقدمة أو لا تنفاسها شهادة الرجل، فيما يعرفه النساء ولا يطلع عليه الرجال، وهكذا تتبدد شبهة يحرص خصوم الفكرة الإسلامية على ترديدها، ولا يبخل الظاهرية من أتباع هذه الفكرة في تأكيدها.


3 – جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يا معشر النساء … مارأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن”.


وقد حاول البعض أن يبني على هذا الحديث قاعدة مطلقة في عموم النساء وفي عموم الحال وفي عموم الزمن، والأمر لا يستقيم وذلك من ثلاثة أوجه:


الوجه الأول: أن الحديث لم يترك الشرح لشراح عصور الانحطاط الذين توسعوا في دلالته الحاطة من المرأة، ففي نص الحديث ” قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: “أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: “فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن : بلى، قال: “فذلك من نقصان دينها”.


فهما مظهران اثنان فقط ذكرا بصيغة الاستفهام، للتمثيل على وصف ملاطفة من سيد الخلق صاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني: أن نقصان العقل المترجم في الشهادة، يتوجه إلى العقل المكتسب لا العقل الفطري، أو بعبارة أخرى إلى كسب العقل لا ملكته، وموضوع الشهادة يؤكد ذلك كما أوضحنا سلفا.


وأما نقصان الدين المذكور، فهو الدين، فحكم المرأة الحائض عدم تأدية هذه العبادات، وليس تأديتها في حالتها، فكانت نقصا في الدين في الظاهر مع أنها هي الحكم الشرعي المطلوب، ولذلك كانت وقفة ابن حجر في فتحه لأن الثواب عنده محتمل.


الوجه الثالث: المناسبة التي قيل فيها هذا الحديث، فقد قيل خلال عظة للنساء في يوم عيد، فهل نتصور أن الذي كان على خلق عظيم، يخاطب النساء حاطا من قدرهن دينا وعقلا، وكما وفق د.محمد عمارة رحمه الله في توضيح ذلك: “فهو مدح للعاطفة الرقيقة التي تذهب بحزم ذوي العقول والألباب”.


فالمقصود في الحديث هذه القدرة التي يتميز بها هؤلاء النسوة والتي هي مصدر التعجب رغم النقصين الظاهرين.


ويهمني وأنا أنهي هذه الحلقات الخاصة بموضوع المرأة، أن أؤكد أن الفكر الإسلامي الحديث قد تطور في هذا الموضوع، وتجاوز أدبيات: الحد من التعليم، وتقييد المشاركة العامة، والتبعية للرجل، وتجربة الحريم، وحديث المحظورات والتحفظات والاستثناءات.


لقد أصبح واضحا أن الخطاب الإسلامي المعاصر المؤسس على الكتاب والسنة، والواضع للماضي والتجربة في سياقهما الزمني، والحريص على الاستفادة من جديد الحضارة وثقافة الحقوق، هو القادر على الإجابة على تساؤلات وإشكالات من يريدون المحافظة على دينهم والعيش في زمانهم وعصرهم، وحق لأحد أعلام هذا الخطاب وهو الشيخ راشد الغنوشي أن يختم كتابه “المرأة بين القرآن وواقع المسلمين” قائلا: “إنه ليس في الاسلام ما يبرر إقصاء نصف المجتمع الإسلامي، عن دائرة المشاركة والفعل في الشؤون العامة، بل إن ذلك من الظلم للإسلام ولأمته قبل أن يكون ظلما للمرأة ذاتها، لأنه على قدر ما تنمو مشاركة المرأة في الحياة العامة، على قدر ما يزداد وعيها بالعالم وقدرتها على السيطرة فيه، وأنه لا سبيل إلى ذلك من غير إزالة العوائق الفكرية والعملية من طريق مشاركتها في الشؤون العامة، والارتقاء بوعيها بالاسلام والعالم”.

زر الذهاب إلى الأعلى