نظام مؤسسة الأسرة في الإسلام /ج 1/ د.علي محفوظ

بسم الله الرحمن الرحيم

توطئة

الحمد لله الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا، والصلاة والسلام الأتمان الاكملان على أكمل الخلق خلقا وأتمهم طهرا، وعلى آله الأطهار الأخيار. أما بعد:
فإن الله تعالى ذو الرحمة الواسعة والحكمة البالغة والعلم المحيط والقدرة المطلقة قد شاء أن يخلق جنس الإنسان؛ ففطر الله سبحانه هذا الإنسان كائنَ أُنسٍ اجتماعيا مدنيا بطبعه، يأرز إلى بني جنسه، ويألف أفراد نوعه، وكلما تهذب في مدارج التهذيب وارتقى عن التوحش والانفراد حقق فطرته وانسجم مع مبادئ الشرع وأحكام العقل ونداء الطبع.
وقد تجلى ذلك الاجتماع على أبعاد منوعة متعددة، ذكر منها الكتاب العزيز تنوع الجنس البشري إلى ذكر وأنثى، ومن جهة أخرى إلى شعوب وقبائل، ومن جهة ثالثة مزكاة إلى تقي وفاجر، وقد دل على هذا التقسيم مع تهذيبه وضبطه بالضوابط قول الله تعالى:
{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}.
وهذا التكريم الروحي الخاص بالتقوى منكم ذكورا وإناثا وشعوبا وقبائل بعد التكريم المادي العام للنوع الإنساني: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}.
ثم إن الله تعالى جعل قوام هذا الوجود وقيام الاستمرار بالعلاقة بين الذكر والأنثى قدرا مقدورا، وخلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا، فيزداد النوع وينمو ويدافع قدر الفناء بقدر البقاء ما بقي عمر الدنيا، وركب الله تعالى في كل من قطبي هذا النوع حاجة طبيعية وانجذابا فطريا يتعالى على كل القواطع والموانع، وهذه القطبية الزوجية عامة في كل الكائنات الحيوانية، بل هي سنة إلهية قدرية وقانون كوني مطرد في كل المخلوقات {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون}.
تلكم هي الزوجية على العموم والشمول في مستوى السنة الإلهية وكينونة القانون الكوني، فما هي هذه الزوجية في الوحي الإلهي وحكمة القانون الشرعي، وما هو تعريفها وحكمها وحكمتها، وكيف يتم تكوين الأسرة النموذجية؟

أولا: مفهوم الزواج.
الزواج، من الزوجية التي هي ضد الفردية، ذلك أنه ينتظم وينظم علاقة ثنائية بين ذكر وأنثى لها أركانها وضوابطها وأهدافها، ومن أسمائه النكاح، وأصله في اللغة: التداخل، يقال تناكحت الأشجار تداخلت.
والزواج في الإسلام ميثاق غليظ، تترتب عليه جملة من الحقوق والواجبات منظمة تفصيلا في الكتاب والسنة، فهو تكوين أسرة تتعاون على خيري الدنيا والآخرة، فيؤدي كل من قطبيها دورا منوطا به لا يمكن للآخر شرعا أو طبعا أو هما معا القيام به.

ثانيا: حكم الزواج وحكمته.
يذكر أهل العلم أن الأصل في حكم الزواج إجمالا الندب. ثم إن أحكام الشرع تعتريه تفصيلا حسب الأحوال والمقامات، فيجب أو يندب، أو يحرم أو يكره، أو يباح.
وحكمته بناء أسرة صالحة تتعاون على صلاح الدين والدنيا؛ إذ يعف كل من الزوجين زوجه، ويلبي احتياته المادية والنفسية العاطفية، ويثمر الذرية المطلوبة شرعا وطبعا، فيبقى النوع ويستمر،  وينتفع الوالدان بعد الموت بعمل نسلهما الصالح، وغير ذلك من الحكم الإلهية الكبرى علمها من علمها، وغاب أكثرها عن علم الخلائق.

يتواصل….

زر الذهاب إلى الأعلى