إلزام الزوج مصاريف علاج زوجه المريضة، مثال على تغير الأحكام بتغير الأحوال:د محمدن محمد غلام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
استقرت في موروثنا الفقهي ‘مسلمة’ فقهية مقتضاها اتفاق المذاهب الأربعة (في مشهور كل منها) على أن علاج الزوج -إذا مرضت – لا يلزم زوجها!
وهو ما عبرت عنه متون المذهب، منها على سبيل المثال، قول خليل في المختصر: ‘… لا مكحلة ودواء وحجامة’ وهو ما عبر عنه محمد مولود في الكفاف بقوله:
‘ولا يزدها إن يزدها داء..
أكلا. ولا يلزمه دواء’
ومع غياب نص شرعي (من قرآن أو سنة) صريح في المسألة، واعتماد الفقهاء في تقريرها على أقيسة لا ينسجم مخرجها – في ميزان اليوم على الأقل – مع مقاصد السكن والمودة والرحمة (قياس العلاقة الزوجية على الإجارة التي تحط عن المستأجر إصلاح ما تهدم من الدار المكتراة مثلا!) ولا يتناسب مؤداها في عصرنا هذا إلى ما بنيت عليه أحكام النفقات والكفاية من العرف والمعروف (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) وحتى لا نترك للمتصيدين في الماء العكر مجالا للطعن أو التشكيك، بتحميل الشريعة الإسلامية مسؤولية اجتهادات من مجتهدين اجتهدوا وفق معطيات أزمنتهم وأعراف أهلها وانطلاقا من واقع الطب أيامهم – احتياجا إليه وتطورا في علاجاته واختلافا في حكمه بالنتيجة – مع نصهم (رحمهم الله وتقبل منهم) على ضرورة مراجعة الأحكام الفقهية المبنية على الأعراف والعوائد والأحوال المتغيرة زمانا ومكانا، ما تغير الحال أو استحال العرف أو تبدلت العادة.
وحتى لا تضيع حقوق شرعية تفصح المقاصد الشرعية ومناسباتها وتطفح عمومات النصوص القطعية بثبوتها (انطلاقا من معطيات الواقع ومسلمات الأعراف المعاصرة) في ظل غياب لنصوص شرعية تسقطها!
فإنني أرى أن الأقرب لروح الشرع والأولى بالدخول في عمومات نصوصه في المجال والأجدر بالاعتبار – عرفا وواقعا – والأنسب لنظرة الشارع للأسرة والعلاقة الزوجية – سكنا ومودة ورحمة – هو الأخذ بمذهب من يرى أن مصاريف علاج الزوج المريضة، على زوجها تبعا للنفقة (وهو رأي ابن عبد الحكم من أهل المذهب) وترجيحه بالمرجحات أعلاه – وربما بغيرها من المرجحات – واعتباره مثالا حيا لتغير الفتوى (في غير الأصول والثوابت) بتغير الزمان والأحوال، ولوجود مستجدات واقعية مقتضية للتغيير.
والله تعالى أعلم
د. محمد ولد محمد غلام

زر الذهاب إلى الأعلى