اختلاف مقامات التشريع/ د. سيد أحمد سيد الخليل


من أسباب اختلاف العلماء في المسائل الفقهية، اختلافهم في مقام التشريع، أعني الوصف الذي صدر عنه الحكم من صاحب الشرع.
هل صدرعنه بصفة الفتوى، فيكون عاما، أو بصفة القضاء، فنحتاج إلى البينات والدعاوي في إصدار ذلك الحكم، أو صدر عنه بوصف الإمامة، فنحتاج إلى الإمام ـ ومن يقوم مقامه في رعاية المصالح ـ لنُنيط الحكم به.
وقد أبدع الإمام القرافي في التنظير والتأصيل لهذا الملمح الأصولي، بما لم يسبق إليه، حيث يقول في الفروق:
( “الفرق السادس والثلاثون بين قاعدة تصرفه – صلى الله عليه وسلم – بالقضاء وبين قاعدة تصرفه بالفتوى وهي التبليغ وبين قاعدة تصرفه بالإمامة”
اعلم أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هو الإمام الأعظم، والقاضي الأحكم، والمفتي الأعلم ، فهو – صلى الله عليه وسلم – إمام الأئمة؛ وقاضي القضاة؛ وعالم العلماء؛ فجميع المناصب الدينية فوضها الله تعالى إليه في رسالته؛ وهو أعظم من كل من تولى منصبا منها في ذلك المنصب إلى يوم القيامة؛ فما من منصب ديني إلا وهو متصف به في أعلى رتبة غير أن غالب تصرفه – صلى الله عليه وسلم – بالتبليغ لأن وصف الرسالة غالب عليه ثم تقع تصرفاته – صلى الله عليه وسلم – منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعا؛ ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء؛ ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة؛ ومنها ما يختلف العلماء فيه؛ لتردده بين رتبتين فصاعدا؛ فمنهم من يغلب عليه رتبة؛ ومنهم من يغلب عليه أخرى.
ثم تصرفاته – صلى الله عليه وسلم – بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة فكل ما قاله – صلى الله عليه وسلم – أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكما عاما على الثقلين إلى يوم القيامة؛ فإن كان مأمورا به أقدم عليه كل أحد بنفسه؛ وكذلك المباح وإن كان منهيا عنه اجتنبه كل أحد بنفسه؛ وكل ما تصرف فيه – عليه السلام – بوصف الإمامة؛ لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداء به – عليه السلام – ولأن سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك؛ وما تصرف فيه – صلى الله عليه وسلم – بوصف القضاء لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم حاكم اقتداء به – صلى الله عليه وسلم – ولأن السبب الذي لأجله تصرف فيه – صلى الله عليه وسلم – بوصف القضاء يقتضي ذلك وهذه هي الفروق بين هذه القواعد الثلاث…).
ثم ذكر ـ بعد هذا التنظير والتأصيل ـ أحكاما فقهية، صدرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتباره مفتيا، وأخرى باعتباره قاضيا، وثالثة باعتباره إماما، ثم أشفع ذلك بأحكام فقهية صدرت منه عليه الصلاة والسلام، لم يتمحض لها أحد هذه المقامات، لذلك تجاذبتها أنظار العلماء، فمنهم من قال إنها صدرت منه على وجه القضاء والحكم، ومنهم من قال إنها صدرت منه على وجه الفتوى والتبليغ، ومثّل لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم ـ كما في الحديث الصحيح ـ لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لما قالت له – صلى الله عليه وسلم – إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفيني فقال لها – عليه السلام – “خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف.
قال القرافي: (اختلف الفقهاء في هذه المسألة وهذا التصرف منه – عليه السلام – هل هو بطريق الفتوى فيجوز لكل من ظفر بحقه أو بجنسه أن يأخذه بغير علم خصمه به؛ ومشهور مذهب مالك خلافه، بل هو مذهب الشافعي أو هو تصرف بالقضاء فلا يجوز لأحد أن يأخذ جنس حقه أو حقه إذا تعذر أخذه من الغريم إلا بقضاء قاض..).
وقول القرافي إن مشهور مذهب مالك أن ذلك كان على سبيل القضاء في قصة هند، يوافقه ظاهر خليل في الوديعة، حيث قال: ” وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها” ويخالفه قول خليل أيضا في الشهادات: ” وإن قدر على شيئه فله أخذه إن يكن غير عقوبة، وأمن فتنة ورذيلة”
وقد نص شراح خليل على أن قوله في الشهادات هو المشهور، وأن كلامه في الوديعة مرجوح، وعليه تكون قصة هند كانت على سبيل الإفتاء، لا القضاء.
ومما يرجح كون قصة هند فتوى، لا قضاء، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَدْعُ أبا سفيان، ولم يطلب من هند الشهودَ.
وهذه شردة فقهية جرّنا إليها كلام القرافي.
والخلاصة أن اختلاف مقامات التشريع من أهم أسباب اختلاف العلماء وأمتعها، ومن أبرز علوم المقاصد وأطرفها.
وقد استفاد العلامة الطاهر بن عاشور من كلام الإمام القرافي، في كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية” ونوّه به، وذكر اثني عشر مقاما تصدر منها الأقوال والأفعال عن رسول صلى الله عليه وسلم قائلا: (ممّا يهمُّ الناظرَ في مقاصد الشريعة تمييز مقامات الأقوال والأفعال الصادرة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم والتفرقةُ بين أنواع تصرّفاته.
وللرسول عليه الصلاة والسلام صفات كثيرة صالحة لأن تكون مصادر أقوال وأفعال منه.
فالناظر في مقاصد الشريعة بحاجة إلى تعيين الصفة التي عنها صدر منه قول أو فعل.
وأول من اهتدى إلى النظر في هذا التمييز والتعيين العلامة شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي..).
ثم ذكر هذه المقامات قائلا: (وقد عرض لي الآن أن أعدّ من أحوال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – التي يصدر عنها قول منه أو فعل – اثني عشر حالًا. منها ما وقع في كلام القرافي، ومنها ما لم يذكره.
وهي: التشريع، والفتوى، والقضاء، والإمارة، والهدي، والصلح، والإشارة على المستشير، والنصيحة، وتكميل النفوس، وتعليم الحقائق العالية، والتأديب، والتجرّد عن الإرشاد…).
ومن لاحظ هذه المقامات أمكنته الإجابة عن كثير من مسائل الشرع التي ظاهرها التعارض، وكذلك أمكنه التفريق بين نهي التحريم، ونهي الإرشاد، كحديث ” لا تشهدني على جور” و” أشهد على هذا غيري” في قضية التفاضل بين الأبناء في العطية.
وقد قلت لكم هنا ـ ذات مرة ـ إن القرافي من العلماء الذين يُدخلون الفقه إلى القلوب بدون استئذان!

زر الذهاب إلى الأعلى