نحو خطاب إسلامي معاصر ( 5 ) / محمد جميل منصور


الدين والسياسة : أي علاقة؟
بالحلقة الماضية أنهيت الملخص المتعلق بموضوع المرأة الذي جاء في ثلاث حلقات توقفت فيها عند الكليات وناقشت بعض الإشكالات وخلصت إلى اختيارات، ومع الحلقة الخامسة هذه نبدأ حديث الفكر السياسي في مؤسساته ثم في أسئلته ثم في تجلياته، ولاشك أن أول سؤال يتبادر في هذا الإطار، هو سؤال المكانة والعلاقة، ماهي مكانة السياسة في الإسلام، وأي علاقة تحكم المجالين الديني والسياسي.
لقد أسهم الصدام المبكر فكريا وعمليا بين الفكر الإسلامي والعلمانية في تبلور تصور إسلامي رافض لكل توجه علماني وأحيانا مدني! في إصرار صارم على أن الإسلام دين ودولة، وأنه كما ينظر للفرد في عباداته وأحواله الشخصية، يفعل الأمر ذاته معه في معاملاته وحياته السياسية، ورغم وجود أصوات من الدائرتين الإسلامية والعلمانية تنادي بشيء من التنسيب وتتخير عبارات هادئة من مثل ” الاسلام يقبل المدنية ” أو “الدولة العلمانية تحايد في شإن الدين ولا تحاربه” فإن الاتجاه العام ظل على المفاصلة والقطيعة خصوصا مع سيطرة علمانيين على سلط عديدة وسلوكهم تجاه مخالفيهم.
وفي العقد الأخير تجدد هذا النقاش، والظاهر أنه هذه المرة من داخل الإسلاميين، بحكم تجاربهم في السياسة وتدبير الشأن العام، تحدث بعضهم وكتب البعض الآخر، صرح بعضهم وفضل البعض الآخر المنطقة الرمادية خوفا من مخالفة نصوص أو ضغط جمهور .
إذن فتح النقاش من جديد وبدأت نظرية التمييز بين الدين والدولة أو بين الدين والسياسة تتبلور في ممارسات وتصورات بعض التيارات الإسلامية، وإن اكتفى البعض بتجسيدها في التمايز الوظيفي في اهتمامات الحركات الإسلامية بين الدعوي والسياسي.
لعل أولى المعاني التي تخدم التأسيس لفكرة التمييز أو التمايز، هو ما درج معظم المفكرين الإسلاميين على تقريره، من أن التشريع الإسلامي اعتمد التفصيل في مجالات وفضل الإجمال في أخرى، فكان حظ العبادات الشعائرية والأحوال الشخصية والأخلاق وجانب من المعاملات مثلا، النشر والتفصيل، وكان حظ السياسة والاقتصاد والشأن العام المتغير من حال إلى حال، التركيز والإجمال، ومن هنا درج متأخرون بحثوا ودرسوا وقارنوا على استعمال مصطلح ” القيم السياسية” بدل “النظام السياسي” وقد سمعت د.عبد الكريم بكار في ندوة في اسطنبول يتكلم عن هذا الموضوع بفقه وتوازن، وحتى د.محمد المختار الشنقيطي في كتابه المميز “الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية” والذي جمع فيه مدونة من أوسع مدونات النصوص الشرعية ذات الصلة بالسياسة، استعمل المصطلح ذاته وإن قسم القيم السياسية في الاسلام إلى قيم البناء السياسي وقيم الأداء السياسي.
وإذا عدنا إلى أهل التحقيف وذوي الثقافة الأصولية في تاريخ النظر الإسلامي سنجد ما يعضد هذه المقاربة، فهذا إمام الحرمين أبو المعالي الجويني في كتابه “الغياثي: غياث الأمم في التياث الظلم” يتحدث عن الخبط والتخليط وسببهما عند الخائضين في موضوع الإمامة: “والسبب الظاهر في ذلك أن معظم الخائضين في هذا الفن يبغون مسلك القطع في مجال الظن” ثم يؤكد: “و لامطمع في وجدان نص من كتاب الله تعالى في تفاصيل الإمامة، والخبر المتواتر معوز أيضا” ثم يختم الباب الثالث من كتاب الإمامة مقررا: “ومعظم مسائل الإمامة عرية عن مسلك القطع، خلية عن مدارك اليقين”
ولعل هذه الخلفية المنهجية هي التي جعلت صاحب الفروق الإمام شهاب الدين القرافي، يميز في التصرفات النبوية، ويبني على ذلك التصنيف مقاربة في التعامل معها قال رحمه الله في “الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام” : “وأما تصرفه صلى الله عليه وسلم بالإمامة فهو وصف زائد على النبوة والرسالة والفتياوالقضاء، لأن الإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق، وضبط معاقد المصالح، ودرء المفاسد، وقمع الجناة، وقتل الطغاة، وتوطين العباد في البلاد، إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس” وفي تحقيقه لكتاب القرافي أورد د.عبد الفتاح أبوغده حديث مسلم عن تأبير النخل والذي قال فيه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم “إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر” وأورد رواية عائشة وأنس وفيها “أنتم أعلم بأمر دنياكم”
ومعروف أن الإمام النووي قد بوب لحديث تأبير النخل بقوله(وجوب امتثال ما قاله شرعا، دون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي)
وهذا الفاصل – وليس الفصل – بين الفضاءات والمجالات حيث لكل، فلسفة فهمه، وقاعدة التعامل معه مع اتحاد المرجعية وتناغم الإهداف العامة هو الذي جعل المحققين يضبطون الأمر فالعز بن عبد السلام واضح في حديثه عن المصالح ومصدر كل منها يقول رحمه الله: “أما مصالح الآخرة وأسبابها ومفاسدها وأسبابها، فلا تعرف إلا بالشرع فإن خفي منها شيء طلب من أدلة الشرع، وهي الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس المعتبر، والاستدلال الصحيح، وأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها وأسبابها، فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات، فإن خفي منها شيء من ذلك طلب من أدلته”
أما الإمام الشاطبي فاعتبر الأعمال نوعين “أن تكون من قبيل التعبدات” أو “أن تكون من قبيل العادات” وأكد أن الأصل في العادات “الالتفات إلى المعاني”
وهذا التفريق بين العادات والعبادات أو بين العبادي والمصلحي أو بين المطلوب ديانة والمطلوب قضاء أو بين الديني والمباح أو غير ذلك من المتقابلات التي ذكرها العلماء، إنما يهدف إلى وضع فاصل يميز بين فضائين يتمايزان ولا ينفصلان، يتكاملان ولا يندمجان. وفي الأدعية الواردة في الصحيح “اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي” ” اللهم إني أسألك العافية في ديني، ودنياي، ……”
وقد قدم د.سعد الدين العثماني في عدد من مؤلفاته وبحوثه رؤية متكاملة لعلها شكلت أهم إضافة من طرف الإسلاميين في النقاش الدائر من جديد حول الدين والدولة أو حول فكرة الدولة الإسلامية، وكان للأستاذ راشد الغنوشي إسهامه المميز في ورقته “الدين والدولة في الأصول الإسلامية والاجتهاد المعاصر”
إن الذين يصرون على فصل الدين عن الدولة في مقاربة علمانية تنتمي لفضاء حضاري آخر، يحرمون الدولة والسياسة من بركة الدين توجيها وضبطا وأخلقة، ومن المستعصي أن يجدوا لمقاربة كهذه أرضية في التصور الإسلامي الأصيل، فهؤلاء مشكلتهم مع الدين.
والذين يصرون على التماهي بين الدين والدولة ويسوون بين فلسفة الاسلام في السياسة وغيرها من المجالات حجما وحدا، ويستصحبون معهم أشكالا تاريخية تنتمي لوقتها أطرا وأدوات، يظلمون الدين ويصطدمون بطبيعة الدولة القائمة على المدنية والخدمة العامة، وهؤلاء مشكلتهم مع الدولة.
ومن هنا فإن مقاربتي الدمج التام أو الفصل الصارم بين الدين والدولة أو الدين والسياسة، متجاوزتان بحكم التأصيل وعلى ضوء مقتضيات العصر ومتطلباته، وهكذا يكون التعبير الأنسب هو التمييز بين الدين والدولة، أو بين الدين والسياسة على لغة القرافي والعثماني والغنوشي.

زر الذهاب إلى الأعلى