سفراء المذهب المالكي وناشرو كتبه شرقا وغربا/ إبراهيم الدويري


أشار بعض الأصدقاء المالكيين بإفراد مقال عن سفراء المذهب المالكي، وناشري كتبه شرقا وغربا، استخلاصا من المقال العام الذي نشر منذ أسبوع في صفحة “تراث” بالجزيرة نت، مع إضافات وتفاصيل عن المذهب المالكي ليست في المقال الأصلي.
في البداية نشير إلى أن لدى مؤرخي المذاهب خلافا معروفا في أسباب انتشارها وتمكن بعض المذاهب الفقهية في قطر دون قطر، وأشهر تلك الأقوال قول ابن حزم (ت 456هـ/1063م) الذي أرجع انتشار مذهبي الإمامين أبي حنيفة ومالك إلى السلطات السياسية العباسية بالنسبة للأول، والأموية بالأندلس بالنسبة للثاني، وكذلك قول ابن خلدون (ت 808هـ/1406م) الذي أرجع سبب انتشار المذهب المالكي في الأندلس والمغرب عموما إلى التشابه البدوي بين بيئة المدينة وأقطار الغرب الإسلامي، وهي تعليلات فيها نقاش وتفصيل لكن الذي يهمنا ونخصه بالرصد أولئك النفر الذين أوصلوا المذهب المالكي أول مرة إلى الأمصار التي تسيد فيها، والذين نشروا كتبه في مختلف مراحلها منذ كان اعتماد أهل المذهب على الأمهات الكبرى وحتى انتقالهم إلى عصر المختصرات.
سفراء المذهب
رغم أن نشأة المذهب المالكي بالمدينة المنورة برمزيتها الدينية أعطته ميزة ليست لغيره من المذاهب الأخرى المتبوعة فإن انتشاره اختصت به بعض فقط الأقطار التي صمد في بعضها حتى اليوم، بينما اختفى في بعضها الآخر كما هو الشأن في العراق؛ ففي مصر غير البعيدة من مدينة المنشأ كان الفقيه الشاب عبد الرحمن بن خالد الجمحي المصري (ت 163هـ/880م)، “أول من أدخل مصرَ فقهَ [الإمام] مالك (ت 179هـ/796م)، وبه تفقه ابن القاسم (ت 191هـ/806م) قبل رحلته إلى مالك وكان من الصالحين”، وهو “من قدماء أصحاب مالك وكان معجبا به وبفهمه”؛ كما في ’تاريخ الإسلام’ للذهبي
وفي بلاد الأندلس -التي هيمن فيها الدرس المالكي طوال تاريخها- نجد أن فقيهَها زياد بن عبد الرحمن اللخمي المعروف بشَبَطون (ت 193هـ/809م) كان “أول من أدخل مذهب [شيخه] مالك إلى الجزيرة الأندلسية، وقبل ذلك كانوا يتفقهون للأوزاعي وغيره”؛ طبقا للذهبي -في ’تاريخ الإسلام‘- الذي يضيف أن ابن القاسم قال: “سمعت زيادا فقيه الأندلس يسأل مالكا”! كما كان الفقيه الأندلسي عيسى بن دينار (ت 212هـ/827م) “أولَ من أدخل الأندلس رأي ابن القاسم” الفقيه المالكي المصري الأبرز.
وكان سفير مذهب أهل المدينة إلى المغرب الأقصى (المملكة المغربية اليوم) الفقيه الزاهد دَرّاس بن إسماعيل الفاسي (ت 357هـ/971م)؛ فهو -كما في ’جذوة الاقتباس’ لابن القاضي (ت 1025هـ/1616م)- “ممن أدخل مذهبَ مالكٍ المغربَ، فإنه كان الغالب على المغرب في القديم مذهبُ الكوفيين (= الحنفية”).
وتفصيلا لما أجمله ابن القاضي؛ يقول مؤرخ المذهب المالكي القاضي عياض (ت 544هـ/1149م) -في ’ترتيب المدارك’- إن الحنفية غلبوا على “إفريقية (= تونس) وما وراءها من المغرب.. إلى أن دخل علي بن زياد (العبسي ت 183هـ/199م) و[عبد الرحيم] بن أشرس والبهلول بن راشد (العبسي ت 183هـ/199م)، وبعدهم أسد بن الفرات (الفارسي ت 213هـ/828م) وغيرهم بمذهب مالك؛ فأخذ به كثير من الناس، ولم يزل يفشو إلى أن جاء سَحْنون (بن سعيد ت 240هـ/854م) فغلب في أيامه وفَضَّ حِلَقَ المخالفين”!!
وفي العراق الذي شهد نهضة مالكية في بعض عصوره؛ كان لدخول مذهبهم إلى البصرة قصة طريفة تسببت في نشأة علم “أصول الفقه”! ففي ’مناقب الشافعي’ للبيهقي (ت 458هـ/1067م) أن موسى بن عبد الرحمن بن مَهْدي قال: “أولُ مَن أظهر رأيَ مالك.. بالبصرة أبي (= عبد الرحمن بن مَهْدي ت 198هـ/814م)؛ [فإنه] احتجم ومسح الحجامة ودخل المسجد فصلى ولم يتوضأ، فاشتد ذلك على الناس، وثبت أبي على أمره! وبلغه خبر الشافعي ببغداد، فكتب إليه يشكو ما هو فيه، فوضع له كتاب ‘الرسالة‘ وبعث به إلى أبي، فَسُرّ به سروراً شديداً، قال موسى: فإني لأعرف ذلك الكتاب بذلك الخط عندنا”!!

ومن طرائف السفارة للمذهب المالكي واعتناقه حمية ما جاء في ترجمة الإمام اللغوي أبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي القزويني (395 هـ – 1004 م) الذي كان نحويا على طريقة الكوفيين… وكان مقيما بهمذان فحمل منها إلى الري ليقرأ عليه أبو طالب ابن فخر الدولة، فسكنها. وكان شافعيا، فتحول مالكيا، وقال: أخذتني الحمية لهذا الإمام أن يخلو مثل هذا البلد عن مذهبه” كما في ’بغية الوعاة’ للسيوطي.

ناشرو أمهات المذهب المالكي

يرى المالكية أن كتاب ‘الموطأ‘ لإمامهم مالك هو أول كتاب ألِّفَ في الإسلام، وينقل القاضي عياض -في ’ترتيب المدارك’- أن علي بن زياد التونسي العبسي (ت 183هـ/799م) كان “أول من أدخل ‘الموطأ‘ و‘جامِع سفيان‘ [إلى] المغرب..، وكان قد دخل الحجاز والعراق في طلب العلم”. نما الغازي بن قيس القرطبي -المتقدم ذكره- فهو “أول من أدخل موطأ مالك.. [فقد] شهِد مالكاً وهو يؤلف ‘الموطأ‘..، وانصرف إلى الأندلس بعلم عظيم نفع الله به أهلها”؛ حسبما يرويه عياض.
بعد استقرار المذاهب الفقهية في الأمصار التي آثرها أهها صار لكل مذهب فقهي كتبه المعتمدة التي تُخرج رجاله، وكان وصول هذه الكتب فارقا في تاريخ المذاهب؛ فأبو زيد عبد الرحمن بن دينار أخو عيسى بن دينار القرطبي ( ت 201هـ) “كانت له رحلات استوطن في إحداهن المدينة، وهو الذي أدخل الكتب المعروفة بالمدينة فسمعها منه أخوه عيسى، ثم خرج بها عيسى فلقي ابن القاسم فعرضها عليه” كما في ’تاريخ علماء الأندلس’ لابن الفرضي.

وأما ’المدونة الكبرى’ للإمام المالكي سحنون (ت 240هـ -854 م) فيخبرنا القاضي عياض في ’ترتيب المدارك’ أن عثمان بن أيوب بن أبي الصلت القرطبي (ت 267هـ) قد رحل وسمع من سحنون بن سعيد بالقيروان وهو “أول من أدخل المدونة بالأندلس… وكان شيخاً ورعاً فاضلاً، أريد على القضاء فأبى”، وفي ’الاستقصا’ أن أول من أدخلها مدينة فاس هو الفقيه الصالح الفاضل أبو ميمونة دراس بن إسماعيل الفاسي (ت 362هـ)، ومن كتب المالكية الكبرى كتاب ’المستخرجة’ لمحمد بن أحمد العتبي (ت 255هـ) وقد نقلها من قرطبة إلى مرسية الفقيه موسى بن عبد الملك بن وليد (ت..) “وكان من فقهاء بلده ونبهائه” كما في ’التكملة لكتاب الصلة’ لابن الأبار (ت658هـ) .

ومن أمهات المذهب المالكي كتاب ’الموازية’ لمحمد بن مواز المصري (ت 281 هـ- 894 م)، وأول من أدخله الأندلس الفقيه أبو هارون البصري (ت 313هـ) نسبة لبصرة المغرب، وعن وصوله إلى إفريقية يخبرنا عبد الرحمن بن محمد الدباغ (ت 699 هـ) في’معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان’ أن أبا القاسم زيّاد بن يونس اليحصبي السدري (ت 361هـ) كان “عالما فقيها من أبهى المشايخ وأنورهم وجها، وأحسنهم نهجا، وكان من الصّلحاء وذوي الحجى والنّهى، ثقة كثير الكتب، عارفا بالرّجال، طلب للقضاء فامتنع، وهو أول من أدخل كتاب محمد بن الموّاز إفريقية”.

ويخبرنا أبو القاسم السدري نفسه عن مظاهر احتفاء القيروانيين بالكتب الجديدة وعن إتقان أهل ذلك الزمن واستظهارهم للموسوعات فيقول “أول ما أدخل كتاب ابن الموّاز إفريقية، حفظت منه مسائل جيّدا، وجئت إلى أبي جعفر -يقصد الفقيه أحمد بن نصر بن زياد الهواري البربري (ت 317هـ)- فألقيتها عليه، فجعل يطأطئ رأسه كالمفكر، ثم أجابني عنها، ثم قال لي: يا أبا القاسم: جال فكري في دواوين أهل المغرب، فما وجدت هذه المسائل في شيء منها، لعلك أتيت بكتاب ابن الموّاز؟ قلت: نعم، قال: قطّعه أخماسا ووجّهه إليّ؟ ففعلت، وجئت بعد ذلك أزوره فقال لي: يا أبا القاسم، الكتاب الذي كان في بيتك حصل في صدري”.

وكان أهل الأندلس يحتفون بكتب مالكية العراق والقيروان ويتباشرون بقدومها، وكان الفقيه الضرير أبو عبد الله محمد بن وازع بن محمد القرطبي (ت 374هـ) “فقيها أديبا حلوا، وهو أول من أدخل كتب الأبهري وابن أبي زيد قرطبة”، وكان بين الأبهري وابن أبي زيد صداقة عقلية ومذهبية وتناصر عجيب كما في الفقرة أدناه.

ناشرو المختصرات المالكية:
واستمر احتفاء المالكية بالكتب الجديدة حتى في زمن سيادة المختصرات؛ فلما ألف ابن أبي زيد القيرواني (ت 386هـ) مختصر ’الرسالة’ انتشرت “في سائر بلاد المسلمين، حتى بلغت العراق، واليمن، والحجاز، والشّام، ومصر، وبلاد النّوبة، وصقلية، وجميع بلاد إفريقية، والأندلس، والمغرب، وبلاد السودان، وتنافس الناس في اقتنائها حتى كتبت بالذّهب وأول نسخة نسخت منها بيعت ببغداد في حلقة أبي بكر الأبهري بعشرين دينارا ذهبا”، كما في ’معالم الإيمان’ للدباغ.

وينبئنا الدباغ بخبر مهم عن إرسال مصنفي الكتب إلى نظرائهم في العالم الإسلامي فيقول إن ابن أبي زيد لما فرغ من تأليف الرسالة “كتب منها نسختين وبعث بواحدة إلى أبي بكر الأبهري ببغداد، فوصلت إليه فأظهر الفرح بها، وأشاع خبرها بين الناس، وأثنى عليها وعلى مؤلفها، وأمر ببيعها ليحسن بثمنها إلى الواصل بها فبيعت بمائتي دينار دراهم، فقال: لا تباع إلّا وزنا بوزن، ففعل ذلك، فجاء وزنها ثلاثمائة دينار، ونيّفا، وبعث بالأخرى إلى أبي بكر بن أبي زرب بقرطبة فوصلت إليه فأخفاها، وأخذ في تأليف كتاب «الخصال» عوضها”.

ومن المختصرات الفقهية التي احتفى بها المالكية احتفاء ظاهرا ’المختصر الفرعي’ لابن الحاجب (646 هـ -1249 م)؛ ففي ’شجرة النور الزكية في طبقات المالكية’ لمحمد بن مخلوف (ت 1360هـ) أن أبا علي ناصر الدين منصور بن أحمد بن عبد الحق الزواوي المشذالي (ت731 هـ-م1330م) رحل صغيراً مع أبيه للشرق وأقام في رحلته نحواً من عشرين عاماً ولقي الأفاضل وأخذ عنهم منهم العز بن عبد السلام لازمه وانتفع به والشرف المرسي وروى عن ابن الحاجب، وهو أول من أدخل مختصر شيخه المذكور الفرعي ببجاية ومنها انتشر بسائر بلاد المغرب”.

و’مختصر’ الشيخ خليل بن إسحاق المالكي (ت 776هـ) الذي صار عمدة أهل المذهب تدريسا وإفتاء نجد في ’الاستقصا’ عن تاريخ هجرته داخل المغرب أن أبا عبد الله محمد بن عمر ابن الفتوح التلمساني ثم المكناسي (ت 818هـ) هو “أول من أدخلـ(ه) مدينة فاس والمغرب”، ونقل الدرعي عن بعضهم أن “سبب انتقاله من تلمسان أنه كان شابا حسن الصورة جميل الشارة فمرت به امرأة جميلة فجعل ينظر إليها من طرف خفي فقالت اتق الله يا ابن الفتوح (فإنه) يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فتأثر لقولها واتعظ وتاب إلى الله تعالى وجعل من تمام توبته أن يهاجر من الأرض التي قارف الذنب فيها فارتحل إلى فاس فأقام بها مدة وانتفع الناس به ثم انتقل بعدها إلى مكناسة”، كما أن أول من أدخل إلى فاس كتاب ’الشامل في فقه الإمام مالك’ لبهرام بن عبد الله الدَّمِيرِيّ الدِّمْيَاطِيّ المالكي (ت 805هـ) رجل تلمساني أيضا هو الفقيه الفرضي الحساب موسى بن علي الأغصاري ( ت 911هـ) كما في ’نيل الابتهاج بتطريز الديباح’ لأحمد بابا التنبكتي (ت 1036هـ)

زر الذهاب إلى الأعلى