لمع البرق ../المفيدة سيد المختار

..
ارتبط لمع البرق عند الشعراء باضرام نار الوجد وإحياء ذكرى الديار ،فقلما لاح سنا برق لناظر شاعر إلا هام في سمائه يشيم مواطن نزول المطر ويستدعي ذكريات عاشها في تلك الربوع مستحضرا كل تفاصيلها وهو يراقب ومض البرق يتتبع سقيه للأودية والربى ..فيروي ظمأ قلبه بمرأى تلك المزن والودق يخرج من خلالها فيبيت كأنما زارته علي على شحط النوى !
وقد رسم الشعراء الموريتانيون صورا حية لحالهم وهم يشيمون البروق ويراقبون مسارها ليبثوا مكنون أسرارهم على ضوء وميضها اللماع ،يسوقونها الى حيث يريدون أن تهطل وتنزل حيث المعاهد التي انطوت القلوب على صفو الوداد لها ..يقول ابن رازگه:
تخافقت البروق على الغميم   شفاؤك يا مقيلة أن تشيمي
مخيم جيرة شم كرام     طهارى أوجه بيض وخيم
و هذا ولد الطلبه يحكي معانته مع البرق اليماني وقد لمحه سحرا فهاج له أطلال عهد تقدما:
ألا من لبرق مسحر متبلج.  أجوج كتسعار الحريق المؤجج
قعدت له بعد الهدو أشيمه.  ومن يشم البرق اليماني يهتج
ألا أيها البرق اليماني عرج.   وخيم على طلال جفر الهويدج

ولم يستطع ولد الشيخ سيديا النوم وإن بات صحبه هجدا وهو يكابد ليل الذكرى ويميد به الهيام حيث لاح البرق:
تبوج لماع العقيقة مومض    وإيماض لمع البرق للصب ممرض
ينوء ولأيا ما ينوء تثاقلا.   .  تكاليف ذي هيض يلوح وينهض
تنظرته وهنا وصحبي هجد   وقلبي يعنيه الهيام ويرمض
فهاجا لي الذكرى فبت كأنما.   جفوني على لسع العقارب تغمض

ولم يرد ولد محمدي لبرق الحيا أن يبرح مسارح المليحة وماجاورها من مغان الأهل وهو يناجيه في أبياته المشهورة :
أرض العقيلات يابرق الحيا وعلى.   أحيائها لعيون الشائمين لح 
ولا ترق دونها في الأرض ملء فم  من ساريات روايا ودقك الدلح
حول المليحة خيم واغدون ورح ثم اغدون ورح ثم اغدون ورح
حتى إذا عمت السقيا مسارحها فاسق المسارح من بارين واسترح

و نستمع لمحمدو ولد حنبل وهو يحدث عن برق ربيات الذهب:
أضرم الهم سحيرا فلتهب.   لمع برق بربيات الذهب
في شماريخ ثقال دلح.  .  كتهادي العيس في الوعث النكب
جدن ذا الرسل بسيل مفعم.   والمراجيع بسحساح لجب

وليس ليل الشيخ سيد محمد ولد الشيخ ولد العالم بأهون من ليل سابقيه وقد أرقه البرق وأوقد نار الشوق في قلبه:
تألق برق لاح من ساحة الغبر

  أرقت له والدمع يجري على النحر
فبت أراعي البرق و الليل أليل  

وفي القلب نيران من الشوق و الخسر

فذكرني حيا قديما وجيرة   كراما وبيضا يبتسمن عن الدر

و للشاعر عبد السلام بن ابه توظيف بديع لباب التنازع في النحو وهو يصف حاله وقد تراءات له البروق عن اليمين وعن الشمال:
تنازعني برقان وهنا تألقا.  فهاج تباريح الهموم الدواثر
فبرق لدى أرض الحجاز أشيمه  واخر يبدو نحو ذات الأظافر 
فمامنهما أهملت يأخذ مضمري  ومامنهما أعملت يأخذ ظاهري
وسيطول بنا الحديث لو تتبعنا مادبج الشعراء حول البرق لأنه كلما لاح في سماء أضاء لهم مابينهم وبين ديار الصبا ومعاهد الصفا 

كان الله في عونهم.

زر الذهاب إلى الأعلى