علماء عاصرتهم (6): محمد أحمد بن عبد القادر الشنقيطي/ د. أسامة الأشقر


كلما سمعتُ عن استئناف عناية أهلنا الموريتانيين والمغاربة بالمحظرة العلمية اشتدّ بي الشوق لأيام الطلب الأولى؛ فقد كان من نعم الله عليّ أنْ حظِيت بلقاء حشد غفير من علماء الأمة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدينته، كتبت عن بعضهم، وأكتب في كل موسم مؤاتٍ عن آخرين، وها أنا أكتب اليوم عن شيخنا المعمر المحدِّث محمد أحمد بن عبد القادر القلاوي الشنقيطي، وقد كان آية من آيات الله في علم الرجال ومعرفة علل الحديث، وقد علمتُ منه أنه كان يحفظ تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني، مع تحقيقات واستدراكات كثيرة عليه استدركها من سعة اطلاعه وعظيم اجتهاده؛ وكان يسوق لك أقوال الأئمة في علل أي حديث نأتيه به ويتحدث في إسناده باتساع عجيب حتى يهتز رأسه طرباً لذلك.
وقد بدأت قراءة ألفية الحافظ العراقي عليه وأنا في نحو السابعة عشرة من عمري، ولم يقبل أن أقرأ عليه ابتداءً لحداثة سني حتى علم عني أنني أحفظ كتاب الله وألفية ابن مالك، وأنني متفقه على مذهب أحد الأئمة الأربعة، عارف بمتون مذهب الشافعية، ثم أحبّ لقائي لمّا علم أنني من فلسطين التي كان يدعو لها على الدوام بالنصر والخلاص؛ ثم قرأت عليه شيئاً من موطأ الإمام مالك، وقطعة من التمهيد لابن البر، إلا أنه كان يحب أن أقرأ له من الكامل في الأدب للمبرد، إذ كان لا يحب أن يسمع لحناً في القراءة من أحد، وكنتُ وقتَها شنقيطيّ اللغة والحفظ.
كان الشيخ لا يفارق محله قرب خوخة جدّه أبي بكر الصديق رضي الله عنه على مدخل باب الرحمة في البناء العثماني، بين المغرب والعشاء، ولا يجرؤ أحد أن يجلس مكانه، وكان كثيراً ما يأتي الزائرون في موسم الحج فيحتلون مكانه فيغضب لذلك جداً، ويحشر نفسه بينهم، بعد أن يفرقهم بعكّازه وصوته العالي.
كان الشيخ غَضوباً سريع الانفعال، يثيره أيّ خطأ من قولٍ أو سلوكٍ ولو كان صغيراً، وكثيراً ما اشتبك مع المصلين حوله إذا سمع منهم قراءةً خطأ، أو صلى أحدهم على غير السُّنّة، أو لبس ما يراه منكراً، بل كان لا يسلم أحياناً على بعضهم إذا حاولوا استرضاءه.
وقد أراده المفسر الشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي صاحب أضواء البيان أن يدرّس الطلاب في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة فاعتذر له بشدة غضبه، وأنه إذا غضب دارت رأسُه وداخ، فربما سبّ أحداً أو ضربه أو قذفه بكرسيّ، أو شجّه بعصاه؛ وكان الشيخ محمد الأمين يقول عنه: “ما قدِم أحدٌ من موريتانيا أعلم بالسنة منه”.
أدركتُ الشيخ وهو في ثمانينات عمره، وقد ضعف جسده، واحتاج إلى عصا تحمله، وربما احتاج إلى من يمسك بيده حتى يجلس إلى عمود الخوخة، وكان قد ثقل سمعه فيظن أن الناس لا يسمعونه فيرفع صوته جداً وكأنه يصرخ، فكان كثيرون يصيحون فيه، ويطلبون أن يخفض صوته، فيظن أنهم يرفعون صوتهم بحضرة رسول الله في روضته فيردّ عليهم ويسفههم، وكثيراً ما تدخلنا لتهدئة الأمر، وكثيراً ما نالنا من عصاه خطأً وهو يحاول تنبيه الناس من حوله.
وكان إذا غضب احمرّ وجهه، وهجمت عيناه، وارتخت شفتاه، واشتد صراخه، وتلعثمت كلماته، وبانت فروق أسنانه المتكسرة، وارتجّت رأسه، وسقطت الغترة البيضاء أو الحمراء عن رأسه، وربما نزع طاقيته إذا اشتدّ هياجه، ولا يهدأ إلا بعد زمن.
كان الشيخ عابداً حافظاً لا تراه إلا يقرأ القرآن من حفظه إذا كان وحده أو كان ينتظر الصلاة، وقد حدثني خاصّته أنه كثير التهجّد من السحر، يطيل القراءة والسجود حتى الفجر؛ وكان يكثر الصيام، يحمل كيساً فيه تمرات في جيبه يأكلها مع شربة زمزم عند أذان المغرب في كل مرة أجلس إليه فيها.
كان الشيخ مالكي المذهب شديد الاتباع له، لا يقدّم عليه مذهباً آخر إلا ما خالف فيه الإمام سفيان بن سعيد الثوري، فإنه ينحاز إلى الثوري، وكان من منهجه أن يرد ضعيف رواية المالكية في الفقه لما صحّ من الحديث عند الأئمة، وكان يجادل المالكية في بعض مروياتهم، وبالجملة فإنه كان مالكياً على مذهب أهل الحديث في المعتقد والمنهج، ودون تفاصيل بعضهم الكلامية؛ ومع أنه كان يُنسَب إلى مذهب السلفية إلا أنه كان شديد النقد لسلوك بعض المحسوبين عليها وضعف عنايتهم بالعربية، وتقليلهم من شأن الفقه المذهبيّ؛ ولذلك كنتُ أرى أنه على مذهب أهل الحديث القدماء ولم يكن على مذاهب السلفية المعاصرة رغم قربه منها؛ وكان يكره من يقع في الفقهاء ويطعن فيهم حتى إنه حلف ألا يُدخِل كتب ابن حزم الأندلسي إلى بيته أو يقرأها لحدة لسانه فيهم رغم اعترافه بكثرة الفوائد فيها؛ كما كان يكره الجدال في خلافات الصحابة ويأبِى أن يستمع لأي كلام فيهم، ويبكي إذا سمع عنهم ما يسوء؛ وكان يكره الأسئلة في مسائل الصفات، وينزعج جداً من إلحاح بعضهم في اختباره بها؛ ولا يتورع أن يقول: لا أدري إذا سئل عما لا يعرف، ويطرد من يستدرجه في مسألة لا يريد الإفتاء فيها، ويصرخ فيه: أتريد أن تُورِدَني سقر !
وقد تربّى في بيت صوفيّ تيجانيّ إلا أن عنايته بالحديث وميله له وقراءته الكثيرة في كتبهم وطبيعة شخصيته… كل ذلك جعله كارهاً لطريقتهم، فغادر منزل أبيه، وانتظم بعد مدة في محظرة الشيخ يحظيه بن عبد الودود، الذي اعتنى به وعرف قدره في الحديث، وتلقى عن الشيخ يحظيه الفقه المالكي والعربية وأصول الفقه وعلوماً أخرى.
ولما مات الشيخ يحظيه ضاقت به الدنيا، وسافر إلى السعودية حاجاً زمان الملك سعود بن عبد العزيز وهو نحو في الخمسين من عمره، ثم قرر مجاورة رسول الله وحبيبه الإمام مالك، فعاد إلى دياره وباع كل ما يملك وهاجر إلى المدينة المنورة مجاوراً، وهناك عرفه طلبة العلم واشتهر أمره، وكانت له حلقة علم وسماع في خوخة أبي بكر قبل أن يصدر القرار الملكي بمنع غير السعوديين من التدريس في الحرم النبوي، وأبَى الشيخ أن يقبل عرض الشيخ عبد العزيز بن باز بالحصول على الجنسية السعودية ليتاح له التدريس، وقال إنه لا يعترف بأي جنسية وأيّ تقسيم للأمة، وأنه شنقيطي مدني فحسب؛ وكان الشيخ يوصينا ألا يزيد عدد القارئين عليه على اثنين لئلا يُمنَع من التدريس، ومن أبرز تلاميذه شيخنا القاضي عطية محمد سالم، والدكتور عبد الرحمن الصاعدي.
وقد أسرّ لنا أن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي كان يأتيه بنصف راتبه في الجامعة الإسلامية، وأن الشيخ عبد العزيز بن باز كان يرسل له ألفي ريال كل شهر مع أحد المشايخ، وكان آخرون لا يبخلون على الشيخ بدفع أجرة منزله أو مؤونة سيارته وغير ذلك حتى يتدبّر أمره وهو الطاعن في السنّ، وكان كثير الدعاء لهم بالبركة وصحة البدن والعقل والدين.
كان الشيخ لا يكاد يكتب إذ كان بطيء الكتابة منشغلاً بالقراءة والمراجعة، وكل ما تركه رسائل صغيرة بخط اليد أهداني واحدة منها اسمها: (تنبيه الحذاق على بطلان ما شاع بين الأنام من حديث النور المنسوب لمصنف عبد الرزاق) وقد فقدت من جملة ما فقدت من مكتبتي إلا أنها مطبوعة منشورة، وبقية رسائله استدراكات وردود وتعليقات أكثرها في الحديث، وبعضها في الفقه ولاسيما فقه الصلاة.
ولد الشيخ عام 1904م في موريتانيا، من أسرة تنتمي إلى قبيلة الأقلال أو الأغلال نسبة إلى جدهم محمد قلي، والقلي بلغة السونونك تعني الأبيض، أو نسبة إلى قُلّة الجبل الذي كان يتعبد فيه جده الولي الصالح محمد قلّي، الذي قدِم إلى شنقيط في القرن السابع الهجري سنة 660 هـ، وفي سلالة نسب محمد قلي نجد الإمام أبا النجيب السهروردي، وهو من سلالة الخليفة أبي بكر الصديق وفق ما يثبته النسابون الشناقطة، وقد كان الشيخ محمد أحمد عبد القادر ينتسب إلى قريش دائماً، ويقول أنا تَيْمي قرشي، وبنو تيم هو قوم أبي بكر الصديق من قريش.
توفي الشيخ في المدينة المنورة عام 1418هـ؛ ولا أدري هل كانت سنة 1998 قد دخلت أم لا ، وقد توفي حيث كان يحب أن تختتم حياته، ويلحّ في الدعاء لأجل ذلك، ودفن ببقيع الغرقد مقبرة أهل المدينة.

زر الذهاب إلى الأعلى