صندوق الجمعيات (الكيص) بين عوامل المنع ومنطلقات الإباحة


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
لا أحتاج إلى الحديث عن تصور هذه المعاملة وتجلية حقيقتها واقعيا، لأن لها من الشيوع والكثرة ما يغني عن ذلك.
وعموما فإنني أقصد بها تلك المعاملة التي تتفق فيها مجموعة من الناس على أن يدفع كل منهم مبلغا دوريا محددا، وعلى أن يجمعوا هذا المبلغ في دورية زمنية معينة (تكون الدورية شهرية في الغالب) ويدفعوه إلى أحدهم على أن يستمر معهم في دفع اشتراكه، ليجمعوه في الدورة الثانية لغيره من الأعضاء، ثم لثالث وهكذا دواليك. حتى تمر الدورة على الأعضاء جميعا.
وقد تنازع هذه المعاملة – في نظري – عاملان اثنان؛ مانع ومجيز :
١. اما عمل المنع، فتكييفها قرضا يجر نفعا لصاحبه (مع الكلام في سند حديث منع السلف الذي يجر نفعا فإن اعتبار معناه أمر مجمع عليه) وأنها من باب ‘أسلفني على أن أسلفك’ بالنتيجة. على اعتبار أن حقيقة السلف متحققة فيها؛ فهي عبارة عن دفع العضو مالا مثليا (اشتراكاته الدورية) على أن يسترد مثله، مع انتفاعه من سلف غيره من الأعضاء له في دورة استحقاقه.
٢. واما عامل الإباحة فيقوم على تكييف العملية على أنها تعاون على الادخار وتكاتف للاستغناء عن القروض الربوية. وأن العضو فيها لا يأخذ في المحصلة إلا ما دفع. وأن المجمع عليه من حرمة القرض الذي يجر نفعا، ما كان النفع فيه متمحضا للمقرض المسلف، وأما القرض (القرض والسلف بمعنى واحد فقها) الذي يجر نفعا للطرفين فليس بمحل إجماع. إضافة إلى الاستئناس بموقف الإمام ابن حزم من التسليم بقاعدة ‘أسلفني على أن أسلفك’
والذي أرى – والله تعالى أعلم – أنها تجوز للضرورة والحاجة المنزلة منزلتها، للتعاونيات التي تستخدمها لتعزيز الادخار للأعضاء (خاصة النساء) في الأحياء الفقيرة والفئات الهشة اقتصاديا في المجمتع، لا ستخدامها تمويلات استثمارية. فترجح الضرورة والحاجة المنزلة منزلتها عامل الإباحة لهذه الفئة من الناس ومن كان في حكمهم.
وأما التوسع فيها للتمويلات الاستهلاكية وتمويل الرحلات السياحية والأمور الكمالية، فلا أراه مذهبا؛ لقوة منطلقات عامل المنع فيها.
والله تعالى أعلى وأعلم
د. محمد محمد غلام

زر الذهاب إلى الأعلى