رسالة إلى الآباء في ظل موجة التطبيع/ محمد الحافظ دياها

لقد أدرك آباؤنا وأجدادنا – رحم الله من مات منهم و حفظ من كان حيا – فترة حالكة من تاريخ أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فأدركوا هجرة اليهود إلى فلسطين، وإعلان دولة الصهاينة، ثم قرار التقسيم، والهزائم المتتالية التي منيت بها الجيوش العربية، وكانوا يظنون أنه ليس في الإمكان أسوأ مما كان. ثم فوجئوا بما هو أسوأ من ذلك، وهو اعتراف بعض العرب بدولة الصهاينة كيانا مستقلا ذا سيادة. و مع ذلك فقد كانت ردة الفعل العربية قوية، فقوطع المطبعون، و تحركت في الناس نخوة كانت إذ ذاك ما تزال تنبض بالحياة.
دارت الأيام، وانصرم ذلك الجيل الممانع، رغم ما شاب ممانعته من دخن، وتأطير خاطئ للصراع مع اليهود، وبدأت مرحلة التطبيع مع التطبيع، فكانت أسوأ مما سبق، وفي هذه الحقبة ولدنا، وكنا نعتقد ونحن صغار أننا في أحلك لحظات تمر على الأمة العربية والإسلامية، فكنا نرى الخضوع والخنوع وشلالات الدماء المسلمة تنهمر ونحن ننظر إلى ذلك عبر الشاشات، لا نملك حولا ولا قوة إلا الدمع و الدعاء، وكنا نعيب على الجامعة العربية وعلى الحكام اكتفاءهم بالتنديد البارد بالمجازر التي يقترفها الصهاينة ضد أهلنا في بيت المقدس وأكنافه، ثم دارت الأيام لنكتشف أن ما كنا نعيشه من ذل صار حلما نتمنى أن نراه الآن.
نعم، لقد صار حلما بعيد المنال أن تسمع شجبا، أوتنديدا، أو حتى تهديدا فارغا، أوعنتريات استعراضية لا حقيقة لها يخطب بها الساسة ود الشعوب. ولكن، لعل من حسن حظنا أن طفولتنا أدركت بقية ذماء من نخوة، فنشأنا على موقف صلب من العدو الصهيوني، فكنا ننظر إلى كل من وضع يده في أيدي الصهاينة نظرة استهجان و تخوين، ولم نضطر يوما إلى تكلف الاستدلال لإثبات شرعية التطبيع، فالتطبيع على زمننا الجميل خيانة عظمى لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
أما أبناؤنا فإنهم سيفتحون أعينهم على عالم أصبح التطبيع فيه ليس فقط ” قولا محترما ” و” رأيا ” له حظ من النظر، بل صار حكمة وبعد نظر، بل صار الحل الأمثل لقضية فلسطين، ولحقن دماء أهلها، ومن لم يقل به فهو متحجر، متشدد!
ولست أبالي من رماني بريبة :: إذا كنت عند الله غير مريب
إن موجة التطبيع الأخيرة أشد وأنكى من سابقاتها، لذا فقد أحدثت شرخا في جدار الممانعة الشعبي الذي ظل شامخا صامدا لم تزعزعه اتفاقيات أوسلو، ولا وادي عربة ولا كامب ديفيد قبل ذلك. فتلك اتفاقيات تولى كبرها سياسيون لا يؤبه لهم، و أما هذه فقد تولت كبرها شخصيات علمية ذات وزن و تأثير على قاعدة شعبية معتبرة، وعليه فلم يعد جدار الممانعة الشعبي بالقوة التي كان بها، فأصبح التطبيع أو التطبيع مع التطبيع وجهة نظر مقبولة عند بعض من كانوا بالأمس القريب يرونه جرما وخيانة. والسبب في ذلك أن موقفهم من هذا الكيان الغاصب بني على أساس رخو يحدوه توجه سياسي، أو تخندق إيديولوجي ضيق، أو حمية للمطبعين من ذوي القربى أو إخوان المنهج الإيديولوجي.
إن أبناءنا وهم في عصر السماوات المفتوحة ووسائل التواصل الاجتماعي التي سهل الوصول إليها سيكونون فريسة سهلة لمثل تلك الأفكار الدخيلة ما لم نحصنهم بالتوجيه الصحيح ونلقنهم المبادئ السليمة لتشكل مناعة عقدية و فكرية، لذا يتحتم علينا أن نسلحهم بالعقيدة الصحيحة تجاه الصهاينة المحتلين، فنملأ قلوبهم وعقولهم بالصواب حتى لا تعصف بفطرتهم عاصفة التطبيع.
وإنه لمن المؤسف أن مناهج التعليم ، والتي يفترض بها أن تقدم المعلومة الصحيحة، و” تُعدل” المعلومة الخاطئة عند الطلبة، لا تقدم للطلاب عن قضية فلسطين سوى معلومات جغرافية باردة محايدة أو سرد تاريخي لا حياة فيه، فهو منزوع الدسم لا يتعرض للجانب العقدي لهذه القضية الكبرى، خلافا لما يقوم به الغربيون في خدمة القضية الصهيونية.
وأذكر في هذا الصدد تجربة عشتها شخصيا حين كنت طالبا في الولايات المتحدة، فقد كان علي أن أشارك في إلقاء الدروس في بعض الإعداديات كجزء من برنامجي للتخرج، و قد هالني التركيز الكبير الذي تحظى به قضية اليهود في منهج التعليم، والحرص على غرس مظلومية الصهاينة في عقول الصغار والكبار، وملء قلوبهم وعقولهم بضرورة دعم وحماية الكيان الصهيوني، فقد كان من بين الكتب المقررة على طلاب إحدى الاعداديات كتاب The Mause وهو من تأليف الكاتب الأمريكي Art Spiegelman و يدور حول النظرة الدونية التي كان النازيون ينظرون بها إلى اليهود، و هو كتاب يجعل الطفل يتعاطف مع اليهود وما تعرضوا له من ظلم و احتقار من قبل النازيين. و من الطريف أنه في الفترة ذاتها كان من بين الكتب المقررة علينا نحن طلاب الجامعة كتاب Night وهو من تأليف اليهودي Elie Wiesel و يتحدث عن المعاناة التي عاشها هو وأبوه في معسكرات الاعتقال النازية وما لقيه اليهود فيها من سوء العذاب.
و هكذا نرى مكر الليل والنهار في شتى مراحل التعليم، لكي تتشكل في النهاية تلك النفسية المتصهينة، والنتيجة الحتمية هي جيل يرى أن معاداة دولة اليهود وعدم الاعتراف بحقها في الوجود على أرض فلسطين امتداد للظلم الذي تعرض له اليهود في السابق وفق ما زرع في عقول هؤلاء.
إن الأدهى من ذلك هو أن مناهجنا ” المحايدة ” نوعا ما مستهدفة هي الأخرى، ومن الراجح أنها لن تسلم من التغيير حتى تسير في ركب التطبيع وحتى تحظى بشهادة حسن السيرة والسلوك عند الصهاينة.
نخلص مما سبق بأنه علينا كآباء أن نتذكر أن أبناءنا أمانة في أعناقنا وأننا مسؤولون عن هذه الأمانة، فعلينا أن نحافظ على عقولهم كما نحافظ على أبدانهم، و لذا فعلينا أن نحرص على أن نعلمهم أن:
• موقفنا من الصهاينة موقف عقدي لا سياسي، لذلك لا يتغير بتغير موقف الحاكم الفلاني أو الحركة الفلانية من الصهاينة، بل هو عقيدة ثابتة، والعقائد لا تتغير ولا يدخلها النسخ، فموقفنا من مسألة فلسطين عقيدة لا تهتز باهتزاز موقف أحد ولا بانضمامه إلى قافلة التطبيع، بل هي عقيدة راسخة تحاكم إليها المواقف والمناهج و الأشخاص ولا تحاكم إليهم.

• أرض فلسطين وقف إسلامي ليست ملكا شخصيا لأحد، ولا يحق لأي كان أن يتخلى عنها، فليست هي ملكا للفلسطينيين حتى يحق لهم بيعها إن شاؤوا، وبهذا تسقط الحجة التي يرددها بعض المطبعين بأن أهل فلسطين باعوا أرضهم و لا ينبغي أن نكون ملكيين أكثر من الملك، فبالإضافة إلى أن هذا باطل، إذ أن في أهل فلسطين مجاهدين لم يتنازلوا عن شبر واحد منها، فإنه لو سلم ذلك جدلا لما كانت فيه حجة، فهي أرض إسلامية لجميع المسلمين كمكة و المدينة ولا يحق لكائن من كان أن يتصرف فيها و كأنها ملك له.

• ما يحدونا لاتخاذ هذا الموقف هو العقيدة الراسخة بصدق ما أخبر به القرآن الكريم و صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من عداوة اليهود و نكثهم لمواثيقهم و بأنه لا يمكن أن يرضوا إلا عن القوم الفاسقين، و بأن دولة الصهاينة زائلة لا محالة.

• الصهاينة محتلون ولا حق لهم في شبر واحد من أرض فلسطين، ومن يطبع معهم فإنه يعترف بأحقيتهم في الأرض التي انتزعوها بالسلاح من المسلمين، وهذا غاية العار و الخيانة.

• ما يسمى بالديانات الإبراهيمية فرية، فإبراهيم عليه السلام بريء من اليهودية والنصرانية، فما كان إبراهيم عليه السلام يهوديا ولا نصرانيا، بل كان حنيفا مسلما كما جاء في صريح الوحي. وهذا لا يحتاج في تقريره إلى أكثر من تلاوة الوحي. وما يحاوله بعض المطبعين من تعالم و تشقيق للكلام و تفريع له لصرف الآية عن مدولوها الظاهر مجرد محاولة لتجاوز النص المعصوم من أجل تطويعه لأهواء الحكام.

• التعايش السلمي مع أتباع الأديان الأخرى لا يعني تمييع الحدود العقدية بين الإسلام و بين غيره من الديانات، بل يعني ألا نعتدي على أحد ولا نظلمه، ولكننا في الوقت ذاته لا نقبل الضيم ولا نسلم أرضنا لعدو.

• الإسلام هو دين الله الحق، و علينا أن نستعلي بعقيدتنا الإسلامية، و نعتقد جازمين أن ما سواها باطل لا حظ له من الصواب البتة، فلا بد أن نغرس في عقول الأبناء أن الإسلام وحده هو الدين الصحيح المقبول عند الله عز وجل، و ما سواه من الأديان باطل، وقد رأينا كيف أصبح بعض أبناء المسلمين يترحم على الملاحدة و على غيرهم من أهل الكفر بدعوى أنهم مجتهدون في طلب الحق وأن ” حصر الحق” في دين واحد تحجر وتخلف، وما ذلك إلا لأنهم خاضوا بحر الشبهات المتلاطم على غير ذات ألواح و دسر من الوحي و من المنهج الصحيح، فكانوا كما قال الشاعر:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى *** فصادف قلبا خاليا فمتكنا

حفظ الله أبناء المسلمين من كل شر، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

زر الذهاب إلى الأعلى