بيع العملات وتحويلها/ د. محمد محمد غلام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
وبعد فإن الحوالات المالية بين الدول ضرورة من ضرورات الحياة المعاصرة أو حاجة كلية تنزل منزلة الضرورة – على الأقل – لأن بها القيام بفرض الكفاية على التجار المسلمين، بعمارة الأسواق وتوفير الضروريات والحاجيات بل والكماليات للأمة…
وحتى يكون هذا الهدف النبيل (القيام بفرض الكفاية في المجال) متحققا بوجه شرعي مأجورا عليه صاحبه مع ربحه الدنيوي، فإنه ينبغي أن تكون وسيلته مباحة مشروعة، بالنسبة للتاجر المسلم الذي يؤمل أن يجتمع الله له ربح الدنيا وربح الآخرة إن استحضر النية الصحيحة بسعيه التجاري ثم بر فيه وصدق.
ولما كانت الحوالات المالية بالعملات المختلفة تقوم على الصرف الذي هو أضيق أبواب المعاملات، وكانت للضرورات أحكامها وكان الحاجي الكلي كالضروري عندنا معشر المالكية، وكان أفضل المخارج ما كان مخرجا عن مأثم أو حرج، فإنني أرى أن لتجارنا القائمين على هذا الثغر من ثغور فروض الكفاية – إسهاما في بناء وطننا وسعيا لتيسير الحياة على إخوتهم في الدين والوطن – أرى أن لهم في الأمر ثلاثة مخارج فقهية عملية:

  1. التحويل لدى البنوك الإسلامية والصرافات الرسمية، ودفع الأموال المراد تحويلها لديها، حيث يتم التقابض (حقيقة أو حكما) بحيث يدفع التاجر الأوقية للمؤسسة ثم تشرع في تسجيل مقابله في الحساب الذي يزودها به، ويكون ذلك قبضا حكميا للمبلغ. وقد وسعت المجامع الفقهية والمعايير الشرعية في ذلك بحيث أعطته الوقت الكافي – دون تراخ – لوصول المبلغ إلى وجهته. بحسب العرف العملي للوقت الذي تحتاجه الحوالات للوصول إلى وجهتها.
  2. أن يقترض التاجر هنا (يستلف) مبلغا من العملة الصعبة، من أحد إخوته الذين يمتلكون رصيدا منها في الخارج، فإذا أراد قضاء القرض قضاه بالأوقية. ولا بأس لدي بأن يناقشا سعر الصرف أو يتفاهما على أن قضاء القرض سيكون بالأوقية دون أن يعقدا بذلك عقدا – فالضرورة إذا قصرت عن أن تحل حراما لم تضعف عن أن ترجح مرجوحا أو تحل شبهة كما يقول العلامة الشيخ محمد المامي – والدليل على عدم صورية عقد القرض أنه لو قدر أن توفي أحد المتعاقدين (أطال الله أعمار الجميع في طاعته) فإن الذمة عامرة بالعملة الأجنبية وليس بالأوقية!
  3. بما أن التبايع في العملتين المختلفتين يجوز فيه التفاضل ولا حرج، وبما أن الإشكال إنما هو في التقابض في مجلس العقد، فإن بإمكان التاجر أن يسلم مبلغ الأوقية لتاجر العملات هنا على شكل نقود أو شيك مصدق، ثم يتصل الطرف الآخر على ممثله في الخارج لوضع المقابل من العملة الصعبة حيث يريد مشتريه، على أن يرسل له مستند الحوالة الرسمية وهما (المتبايعان هنا) في مجلس العقد لم يفترقا.

هذا وإن الشريعة المباركة لا يستفيد من رخصها إلا من التزم بعزائمها، وإن هذه الأموال التي بين أيدينا امتحان وابتلاء (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) والنجاة فيها إنما تكون بتلك القاعدة الذهبية في التعاطي مع المال:
‘أن نأخذه من حله ونضعه في محله’ لأن السؤال المتعلق به في الآخرة يتناول الوجهين (وعن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟)
وفقنا الله وإياكم وأغنانا جميعا بحلاله عن حرامه وبارك لنا ولكم فيما رزق وجعله مطية للرفعة في الدنيا ونيل الدرجات العلى في الآخرة.

ملاحظة:
الخيار الأول هو أجدر الخيارات وأولاها – ما أتيح؛ كفاءة وكفاية – لبعده عن ممارسات السوق السوداء وتداعياتها السلبية على الاقتصاد الوطني وارتباطها بشبهات غسيل الأموال وتمويل الأنشطة المحرمة. وهي أمور جديرة بالاعتبار فقها وواقعا لما فيها من المفاسد التي جاء الشرع بدرئها.
بيد أن حكومات دولنا في العالم الثالث تتسامح عادة وتغض الطرف عن التحويلات التي تصلح لها الطريقتان الثانية والثالثة، لإدراكها للنقص الحاصل في توفيرها لمتطلبات السوق من العملة الصعبة؛ نظرا لضعف موقعها في ميزان المدفوعات.
والله تعالى أعلم
د. محمد محمد غلام
مستفيدا ومستزيدا

زر الذهاب إلى الأعلى