اتّكال الشارع على “الوازع الطبيعي” للموازنة التشريعية في بعض الأحكام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
لطالما راودتني فكرة علقت بي زمن الدّرس أيام الصبا، وبقيت تطرق ذهني – المرّة بعد المرّة – كلما حضر موضوعها في أيام المدارسة والبحث والتدريس…
لم أكن أمتلك من الشجاعة العلمية ما يسمح لي بالإفصاح عن أمرها ولا من القدرة البلاغية ما يمنحني ابتكار التعبير عن كنهها.
هذه الفكرة تقوم على أن الشارع الحكيم ربما وازن في بعض الأمور المرغوبة شرعا – حكما أو ترغيبا – بين الفطرة التي فطر الله الخلق عليها؛ فيكل إليها بعض الترغيب الشرعي أو الأحكام العملية، وبين الأمور التي لا تنزع إليها هذه الفطرة فيعززها بالنصوص المرغّبة والأحكام المعزّزة؛ ومن الأمثلة في هذا المعنى:
١. أنه ومع أن تحصيل المال – من الأوجه المباحة – وامتلاك القوة المالية بغية تنفيس الكربات عن المكروبين والتيسير على المعسرين وتحصيل كفاية الأوطان ورفعة الأمة، مما يُرغب شرعا. ومع أن حفظ المال والبعد – بالنتيجة – عن إضاعته، يشكل ضرورة من الضروريات الخمس التي تشكل قمة هرم الأوامر الفقهية والمقاصد الشرعية، فأنه يندر أن نجد في نصوص الشرع ما يرغّب في جمع المال أو السعي في تحصيله وستثماره! بل ربما وجدنا نصوصا تنحو نحو التزهيد في ذلك المنحى!
٢. أن برّ الوالدين والقيام على الأولاد الصغار، كلاهما صلة للرحم ورحمة بضعفة المسلمين، وإن استقلّ الوالدان بالوفاء لإحسان سابق (كما ربياني صغيرا) فإن الأولاد مقدّمون على الوالدين في النفقة عند التزاحم فقها. والطرفان في وزان واحد بميدان النفع (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) ومع هذه الوضعية، فإنه لا مقارنة بين النصوص المرغبة في برّ الوالدين المحذّرة من عقوقهما، وبين النصوص المتمحضة للإحسان للأولاد؛ كمية وتصريحا وقوّة ترتيب للأجر والثواب في الامتثال أو العقوبة والزّجر في حالة الإعراض!
لا أرى إلا أن من الوضوح بمكان أن الشارع قد وازن في المسألتين – حكما وترغيبا وترهيبا – بين غريزة التملّك في الأولى وغريزة حنان الوالدين في الثانية فعزّر طرفا من المسألتين بما يحتاج من النصوص، ووكَل الطرف الثاني لما فطر الله النفوس عليه؛ إعمالا لآيات الله المكتوبة وآياته المشاهدة في خلقه، ولسننه التي هي الحكمة التي أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وسننه في خلقه (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)
أقول: لطالما راودتني هذه الفكرة وعاودتني ‘عيادا كحمى الرّبع’ حتى وقفت – اليوم – في كتاب البادية للعلامة الشيخ محمد المامي، على ملاحظة شجاعة لمبناها وتعبير دقيق عن معناها، حيث يقول في شأن كمال الملك في نصاب الزكاة: إن “الشارع اتّكل في حبّ كمال الملك على الوازع الطبيعي؛ فلا يقدر أحد أن يكمل ملكا إلا كمله. كما هو معهود في الآدميبن” البادية ٥٥٦.
فلا تسأل عن سروري بوقوع طالب العلم على العالم، كما ‘يقع الشاعر على الشاعر والحافر على الحافر’ وسعادتي بحلّ وثاقي من هذه الرّبطة البحثية وتحريري من هذه الرّبقة الاصطلاحية المربكة.
فرحم الله العلامة الشيخ محمد المامي وأعلى درجته عند ربه، والحمد لله رب العالمين.
د. محمد محمد غلام

زر الذهاب إلى الأعلى