مختصر خليل…مجرد ملاحظة/أحمد أبو المعالي

أسالت مداخلة الشيخ النائب الخليل النحوي الكثير من الحبر فاتكأ عليها بعض من لديهم موقف مسبق من المدوتة الفقهية السائدة في البلد، ورغم التباين في الطرح بين وجهة نظر الشيخ النحوي ووجهات نظر هؤلاء في التصور والتصديق المتعلق بالكتب الفقهية، إلا أنهم اعتبروا مداخلة الشيخ النحوي عونا لهم على استئصال مدونة يحملونها أوزار ما حصل في المجتمع من أخطاء وما يفسرون به بعض الأقوال الفقهية في زوايا محددة: إذا سلكت للغور من بطن عالج.. فقولا لها ليس الطريق هنالك ولاتخفى مغالاتهم في ازدرائها والتقليل من شأنها وهو موقف بالتأكيد لاينسجم مع مواقف الشيخ االنحوي الذي يدرك أن هذه الكتب وفي صدارتها “خليل” كانت جمعا واختصارا لأبرز القضايا الفقهية المبنية على قواعد وأصول أحد أبرز أئمة الأمة وقد تلقاها العلماء بالقبول والشرح والتوضيح والمراجعة وكانت عونا للملايين عبر تاريخ الأمة في معرفة الأحكام الشرعية فالاستخفاف بها ليس سوى استخفاف ب”الشرع”فلا تعدو أن تكون تبيينا إما بمتفق عليه أو باجتهادات اعتمدت ضوابط وقواعد لم تكن مؤسسة على أهواء أو أغراض ولم تكن تخدم مصلحة شخصية ولا يعني ذلك تقديسها ولا عدم مراجعة بعضها فقد ناقش العلماء مختلف الأٌقوال التي تعتمد على الاجتهاد وأدركوا دور البيئات والأزمنة والسياق في “المتغيرات” الفقهية مما ولد مدونة فقهية ضخمة مرنة في مجال الاجتهاد ولم يزد “خليل” على أن جمع أبرز تلك المدونة في قالب حدد معالمه ومنهجه وأسلوبه وطريقة اختياراته للأقوال وهو ما يساعد على فهمه واستيعاب ملخصه بعيدا عتن التحامل والأخذ والرد صحيح أنه بحكم طبيعة “المتغير” وبسبب اختلاف المجتهدين هناك ما يمكن مراجعته واعتباره “قولا ضعيفا” من ناحية الدليل وإن “اشتهر” أو ما كان منطلقا من نسق أو سياق محدد تغير وضعه أو ما للبعد المكاني والزماني دور في تبنيه وانتقائه..وهذا ليس اكتشافا ولا نصرا اهتدى إليه متأخرون قل زاد بعضهم في العلم بل ذاع وانتشر وضرب فيه العلماء بعطن ومن ثم فالقول إن في مختصر خليل مالا يتفق العلماء على صوابه أو بينوا “أرجحية ” غيره من الأقوال حكاية مضغها العجول وسارت بها الركبان، لكنها تمثل نسبة قليلة جدا من الكتاب وما عداها كان “جمعا” للشوارد والنظائر وفر على طلبة العلم كثيرا من الجهد والبحث والتنقيب في المدونة الفقهية المالكية خاصة في أزمنة وأمكنة لم تكن المصادر بهذه الوفرة وحتى مع وجود المصادر فهو يضمن توفير الوقت للدراسة وتحصيل القضايا الأبرز في مختلف أبواب الفقه ومؤلف المختصر نفسه جهر بالقول طالبا تصحيح مافيه من خطإ ومن هفوة موضعا أن التأليف مهما كان المؤلف لايخلو من”الهفوات” وفي هذا السياق أثمرت جهود العلماء نقاشا وشرحا واعتراضا على بعض ما ورد في “خليل” مع تقديرهم وثنائهم على جهوده “فأفعاله اللائي سررن كثير” نعم في “خليل” ما يعبر عن بيئة معينة وسياقات لم تعد موجودة بسبب تغير الأحوال ومن البدهي أن تلك “الأقضيات” التي لم تعد موجودة أو لم تعد تحمل نفس المواصفات ليست من أولويات هذه الفترة أو تلك إما “لأنه استبد ببلاد نائية” أو لاعتبارات مختلفة وهذا ليس جديدا في الدرس الفقهي ولا منقصة في المدونة التي تبين للناس حكم الله في الأقوال والأفعال لكن ذاك لايمكن أن يكون مطية للنيل من “خليل” والتنقيص منه واعتباره زورا وبهتانا أو تجميعا لأقوال اختارها لأغراض وأمزجة واختارها من خلفوه للأغراض ذاتها فما كان لله دام واتصل وقد تلقت الأمة مشارق الأرض ومغاربها هذا الكتاب بالقبول ولو جمعت الأقوال التي لاتلائم السياق الحالي أو التي أبان العلماء أرجحية القول المخالف لها لكانت ورقات محصورة لذلك ليس من المنصف التهجم على المصنف ورميه عن قوس واحدة فحتى أولئك الذين يعتبرون أنه كان موئل “العبودية” فقد جنوا عليه فلا يعدو أن يكون مماثلا لما في كتب المذاهب الأخرى ومشكلة البعض أنه لم يكلف نفسه عناء قراءة “خليل” أحرى قراءة غيره من أمهات كتب المذاهب الأخرى والسعي لتصحيح بعض الأقوال وتحريرها مطلوب شرعا وكل كلام يؤخذ منه ويرد إلا كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم وكون السياقات تلغي بعض الأحكام ليس طعنا في”خليل” إن وردت فيه وكانت ملائمة أو مناسبة للسياق أو اجتهادات كان غيرها أولى منها فنحن نجد عتق الرقبة في “القرءان الكريم” ويملي واقع معين عدم وجود العبودية ونعلم أن الحديث الصحيح نص في كفارة تعمد انتهاك نهار رمضان بالجماع على “عتق رقبة” والحال أنها لم تعد خيارا مطروحا دون أن يلغي ذلك النص أو يقلل من شأنه أو يبخسه ف”خليل” في هذا السياق مثله مثل ورود بعض أحكام العتق في نصوص الوحي لاتلزم المسلم إيجادها والإبقاء عليها بل كانت حكما محددا في سياقا معين فهل نهاجم البخاري أو مسلم وشروحهما ونرمي عذه الكتب بالسوء لأنهما تحدث عن عتق رقبة ونحن نحارب “العبودية” ؟علما أن أغلب النصوص الفقهية في “العتق” و نطالب بإلغائها ونشن حملات لتشويه صورتها لأن بعض الأحكام المنصوصة فيه محكومة بإطار محدد وقس مالم يقل ويمكن اختصار القول إن التصحيح والتنقيح من اختصاص أهل”الذكر” وليس على قارعة الطريق يطبيه من يشاء وقت يشاء فذلك أقرب للعبث وما كان متغيرا فمداره على الحال والواقع وماكان من الثوابت لادخل فيه لللاجتهاد وإدخال الأول في”الثوابت” خطأ في التنزيل وإدخال الثاني في “المتغير”خطأ في التأصيل رحم الله خليل بن إسحاق لقد أعان طلبة العلم والعلماء على جمع كبريات القضايا الفقهية في ضوء قواعد المالكية وآليات الاجتهاد المستندة عليها وكان سندا لأمة قرونا عديدة ومازال محجة لأهل العلم يستنيرون بهديه ويعودون إليه في النوائب للبحث عن القول الفصل في أحكامهم أقلوا عليهم لاأبا منلأبيكم.. اللوم أوسدوا المكان الذي سدوا فخطر االبدن في ادعاء الطب من من لايحسنه وخطأ االدين في ادعاء الفقه من من لايحسنه..فلنعد لأهل الاختصاص المجال لنوفر الجهد في فضاءات أخرى

زر الذهاب إلى الأعلى