نحن.. والمديح النبوي الشريف (2/5)/ محمد السالك إبراهيم


أولا: مدرسة المدح النبوي الشعبي في أنشيري:
لقد لعب مداحة هذه الولاية دورا كبيرا في نقل المدح وثقافته إلى أقاص عديدة من البلد، فهي بالإضافة إلى كونها الأقدم تاريخيا بالنسبة لموريتانيا، فقد كان لها الأثر الكبير في انتشار المدح في منطقة إكيدي، لدرجة أنه يمكن القول أنها شكلت الأساس والمرجع فيما يتعلق بالمدح هناك.

خصوصا أنه بحسب بعض الروايات الشفهية، كان هناك مداحة قدموا من أنشيري إلى إكيدي كان لهم الدور البارز في إشاعة المدح في المنطقة، نذكر هنا المداح، سيداتي ولد أرباح، وهو من أهل أنشيري قدم إلى إكيدي واستوطن فيه، وكان مداحا كبيراـ وتعلم المدح على يده العديد من أبناء المنطقة، ومن أمثلة أمداحه التي لا تزال متداولة حتى اليوم، مدحة:
نحن طيبة نبغوه؛
ومدحة من كيفنك جيت امتد الظو؛
ومدحة النبي لعدو ليانها؛
ومدحة رسول الله هو بتي، التي حرفت اليوم، حيث أصبح البعض يرددها على شكل: حد أعبد لصنام امبرتي.

إن ما ميز منطقة أنشيري أن لحراطين فيها كانوا أقل تكاليف ومهام خدمية مقارنة بنظرائهم في منطقة الترارزة، وهذا ما أعطى للحراطين في انشيري الفرصة للتفرق للمدح ونقله من منطقة إلى أخرى، بحثا عن العمل تارة وفي أحايين أخرى بحثا عن المراعي ونقاط المياه.

إذا، من هذا المنطلق يمكن القول أن المدح ظهر بداية في أنشيري، حيث عرفت ظهور مداحة من الطراز الكبير، ليس لهم من العمل سوى المدح الذي تميزت به المنطقة بشكل خاص، من دون بقية الفنون والألعاب الشعبية المعروفة عند الحراطين من قبيل بنجة ولعب الدبوس، والغسلة، ودكَ الغبرة…. وغيرها.

كما أنها عرفت أيضا ظاهرة المداحات، حيث برزن مداحات نافسن الرجال في المدح صناعة وأداء، وهنا تحضرنا المداحة لغويلية منت دديه التي كانت تمدح إلى جانب مداحة كبار من أمثال لبكيرين، ومحمد وحمود أولاد تتاح، ومحمد ولد أنداري، ومحمد ولد فلان، وعثمان ولد آلويمين وشقيقته أبيبة منت آلويمين، التي كانت مداحة من الطراز الرفيع.

وهذا ما جعل المدح هناك يتطور وينضج وينتشر حتى خارج منطقة انشيري، من ذلك على سبيل المثال مدحة:
أهيه ألا أتمر يا أفكاريش…. فهذه من المدحات المشهورة للمداح عثمان ولد ألويمين، وكان هو الوحيد الذي يرددها وأخذها عنه بقية المداحة.
كذلك مدحة أنا ياوني باش أنلود، هي مدحة للغويلية منت دديه، وهو ما يبين حقيقة أن المرأة في إنشيري كانت حاضرة بقوة في المدح ليس أداء بل صناعة أيضا.

ثم أن الميزة الثانية التي ميزت المدح في إنشيري، هي أنها المنطقة التي عرفت تصدير المدح إلى باقي المناطق الأخرى، فكثير ما أنتقل المداحة منها إلى المناطق الأخرى، وتعلم الكثير من الناس على أيديهم المدح، الشيء الذي لا نجد عكسه، بمعنى أنه لا يذكر أن هناك مداحة من مناطق أخرى نشروا مدحهم في ولاية أنشيري، والأمثلة عديدة حيث نذكر:
عثمان ولد آلويمين، بلال ولد كمب، أبكيرين ولد فلان، والمداح محمد ولد إدويري، فهؤلاء شكلوا في مجموعهم سفراء للمدح من إنشيري إلى بقية الأصقاع.

بل إنهم أوصلوه إلى مناطق كانت بعيدة عن ثقافة المدح، مثل منطقة كوركل التي سنرى لاحقا، أن المداح موسى أنجاج قد تعلم المدح على يد المداح بلال ولد كمب، الذي أوصلته مهنة حفر الآبار التي كان يمتهنها إلى تلك المناطق البعيدة من مسقط رأسه، وحيث ما وجد كان يعلم المدح لغيره، وبالإضافة إلى بلال ولد كمب كان هناك عثمان ولد آلويمين المعروف بعثمان المداح، والذي كان من شدة تعلقه بالمدح وتماهيهه معه يفقد الإحساس، حتى أنه بلغ درجة الصلاح عند البعض، فكان يشفي الصبية من بعض الأمراض وكان يطلب منه البعض الاستسقاء بالمدح، ومن القصص المشهورة حول المداح عثمان أنه مدح في الروضة الشريفة.

والحقيقة أن عثمان ولد آلويمين لم يكن الوحيد الذي نسجت حوله القصص، فهناك أيضا ما نسج حول المداح بلال ولد كمب، الذي كان يقال أنه عند ما يكون يمدح يرتفع رأسه على الرغم من قصر قامته، وكذلك محمد ولد فلان.

وقبل أن أنهي الحديث عن مدرسة المدح في انشيري نذكر بميزة ثالثة ميزت المدح والمداحة في تلك المنطقة ألا وهي المدح وقت الزوال، فهذه الحالة لم تعرف إلا في انشيري، فمن المعروف أن المدح لا يكون إلا في وقت متأخر من الليل نتيجة انشغال لحراطين بواجباتهم اليومية، وهو ما نجد خلافه في انشيري حيث من الشائع عندهم المدح زوالا.

يُظهر زوار الصحفة إهتماما خاصا بهذا الموضوع، لذا نأمل أن تساعد ملاحظاتهم وتعليقاتهم فرصة للتفاعل مع المحاضر قصد إثراء بحثه حول المديح النبوي كإحدى أهم “السرديات الكبرى” في مختلف مناطق هذه البلاد..

زر الذهاب إلى الأعلى