اللغات الوطنية (الحلقة الرابعة والأخيرة) / الشيخ عبد الرحمن حدن



التدرج سنة من سنن الحياة
لقد أقام ألله هذا الكون على سنن ثابتة لا تتبدل ولا تتحول، فقال: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43]، وقال: {لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ } [يونس: 64].
فالذي يقفز على سنن الكون أو يتجاهلها سيصطدم بالواقع لا محالة ويؤدبه السقف.
والذي يريد أن يصعد على ظهر منزل دون استعمال سلم سيخيب سعيه، ومِثله الذي يريد له أبواه أن يكون رجلا دون أن يمر بمرحلة الطفولة، لذا علينا أن نتحلى بالواقعية ولا نظلم الناس، فالحصاد يسبقه البذر والرعاية، ومن لم يبذر ويرعى زرعه حتى ينضج لن يحصد سوى الخيبة والندم.
إن اعتماد الدستور اللغة العربية لغة رسمية مكسب كبير لنا نحن الموريتانيين، لكن منظومتنا الرسمية التربوية والإدارية والقانونية… تجاهلت هذا الاعتماد تماما، ولم ترتب عليه أي إجراء لا نظري ولا عملي، فلا الجهات التعليمية والتربوية وضعت من الترتيبات والسياسات التربوية ما يضمن للغة المرسمة حديثا أن ترسو في موقعها القديم مكانة الجديد دستوريا – الذى أعطاه لها دستور1991م – في ظرف محدد دون تعسف ولا شطط، ولا الإدارة تعاملت بمقتضاه مع المواطنين في أبسط أمور حياتهم اليومية: كالصحة والماء والكهرباء…، ولا القانونيون والحقوقيون رفعوا دعوى ضد الاستهزاء بالدستور وتعطيله، وإهانة لغتهم، ولا السياسيون نظموا تظاهرات ومسيرات تطالب برفع الظلم عن المجتمع وإنصاف لغته المهضومة ودستوره المداس، ولا النقابات قدمت عرائض مطلبية لإنهاء الظلم الواقع علينا وعلى لغتنا المُهانة بإنزال مكانتها عن لغةِ أجنبي محتل ظالم ومسيء، ولتفعيل المادة المتعلقة بترسيم اللغة العربية، لذا أصبح الترسيم بدون جدوى.
وانطلاقا من هذه الوضعية المأساوية أرى أن من عدم الواقعية مطالبة الذين تم تكوينهم بغير العربية تقديم تقارير فنية بغير اللغة التي تكونوا بها.
واليوم والحالة هذه علينا أن نتعامل مع الواقع تعاملا مرنا لا لأننا راضين به، بل ندينه ونراه غير قانوني لمخالفته للدستور، وعلى البرلمان والبرلمانيين أن يتخذوا من الإجراءات القانونية ما يلزم السلطات التنفيذية باحترام الدستور، وبعدم تعريض مسؤوليها لرفض استقبال مداخلاتهم في الجمعية الوطنية، ونطالب الرئيس بوصفه حامي الدستور أن يرفض استقبال أي تقرير أو خطاب رسمي بغير اللغات الوطنية المنصوص عليها في الدستور بعد انتهاء السنة الثانية من مأموريته على الأبعد، ونطالب الجهات المذكورة أعلاه أن تُكَفر عن هذا الخطأ الجسيم الذي ارتكبته في حق الشعب وحق لغته ورمز شرفه تكفيرا يتناسب مع حجم الإهمال الطويل والإساءات الخطيرة التي قام بها ساسة فرنسا ضد مقدساتنا، وأن تُظاهر تلك الجهات قوى الشعب وجميع المواطنين حتى يطمئن الجميع أن السلطات اتخذت من الإجراءات العملية المحددة – التي لا يمكن الرجوع عنها – ما يضمن إقصاء الفرنسية من التعليم والإدارة…، وإحلال اللغة العربية مكانها طبقا لما يمليه الدستور، وتتطلبه نصرة نبينا صلى الله عليه وسلم ومقدساتنا.

اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن…
اللهم عليك بكل المسيئين على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته الخالدة، وانصرنا اللهم عليهم أجمعين.

زر الذهاب إلى الأعلى