شراء الحليب من أهل الأنعام استرسالا (إحسان اللبن) د. محمد محمد غلام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
مما يشيع عندنا في فصل الخريف – وأحيانا في غيره من الفصول – شراء الحليب/ اللبن من ملاك بهيمة الأنعام (خاصة الإبل والبقر) ورعاتها، بما يعرف في الاستخدام العرفي بمسمى “إحسان اللبن”
تقوم هذه الصفقة على تحديد الطرفين لكمية الحليب/اللبن المطلوبة وثمنها لليتر، ثم يبدأ المشتري بالاستفادة من الحليب ليلة ليلة على أن يقدّم الثمن في الوقت المتفق عليه. والذي قد يتأخر إلى نهاية الشهر في الغالب.
وتثير هذه المعاملة إشكالات في الساحة الفقهية؛ حيث يرى بعض الفقهاء أنها “ابتداء دين بدين” أو أنها في أفضل حالاتها (ما إذا نقد المشتري الثمن مقدما) تكون سلما حالا لا يجوز في مشهور المذهب، وإن أجازه الشافعي وبعض أعلام المذهب:
والشافعي وقوم آخرونا.. لسلم حلّ مجوزونا
وفي مطالعة اليوم لكتاب “الاستذكار، الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار، فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار، وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار” للحافظ أبي عمر بن عبد البر، وقفت على كلام نفيس بهذا الخصوص، يرفع اللبس وييسر على المتعاملين في هذا الباب؛ حيث يقول ملخصا للمذهب المعتمد في المسألة بعد حشد النقول فيها:
“وجملة قول مالك في هذا الباب؛ أنه جائز عنده أن يسلم الرجل إلى الرجل في فاكهة في [أوانها] ولبن في أوانه أو لحم موصوف أو كباش موصوفة أو أداربّ من قمح معلومة، وما أشبه هذا كله؛ على أن يشرع في قبض ما اشترى ويقبض في كل يوم شيئا معلوما. ولا بأس عنده أن يتأخر النقد فيه إلى غير الأجل البعيد. فإن لم يشرع في القبض [كل يوم] عندما سلف وكان في ذلك تأخير، لم يجز أن يتأخر الثمن”
الاستذكار ٦/٣٤٣.
وعليه فلا إشكال “في الإحسان” إذا شرع المشتري في القبض يوما بيوم، وكان تأخير الثمن إلى غير الأجل البعيد.
والله تعالى أعلم

زر الذهاب إلى الأعلى