“قال مفسر فكفرت أنا”/ د. أحمد ولد ميلود

تلقفت الأجيال الأولى من المسلمين القرآن بالحب والإيمان، وهما شعوران يحتاجان إلى القلوب الصافية والعقول الراضية الراقية. فحفظوا لنا القرآن، وفسروه كل حسب قدرته، ولم يمنعهم تناقض بعضها من نقلها.

فمثلا حين تقرأ في الطبري ستجد أنه ينقل لك آراء عديدة، وينسب لك الأقوال إلى قائلها، ثم يرجح هو بما يراه.

ولم يشكل لهم التناقض في التفاسير، ولا التنوع في الآراء أزمات نفسية ولا علمية، لأن قلوبهم لم تكن آسنة، ولم تكن عقولهم ضحلة، ولا أفكارهم
محدودة، ولم تكن مبنية على أن الحقائق متساوية وأنها حاضرة متأتية. فقد عرفوا أن أصل الحقيقة معرفة الله، وهي معرفة لا تأتي إلا منه، ولم يكونوا يطلبونها إلا من مظنتها. وكانوا يدركون أن ما سواها من الحقائق ثانوي (فرعي)، وأن معرفة الناس له دون الوحي معرفة نسبية، وأن نسبيته والصراع في تقريره جزء من صيرورة الحياة، وأن الاختلاف فيه ماض ما بقيت. فما كان الصراع حول الحقائق الصغرى، ولا التناقض في فهمها وتفصيلها مدعاة للشك في الحقيقة الكبرى. لأنه لا خلط بين هذه وتلك.

فقد عرف القوم الفرق بين الأصل الرباني والفرعي البشري. فلم يخلط الأقدمون من المسلمين قول الخالق بأقوال المخلوقين كما فعلت اليهود والنصارى في تفاسيرهم وتراجمهم.

ولم يكن أحد من السلف يرى أن اختلاف فلان أو علان من المفسريين مجلبة للشك ولا مداعاة للحيرة. فالقلوب صافية والينابيع واضحة، والآراء موثقة بأسماء أهلها، وكل يؤخذ منه ما يستأنس به أو يرد عليه ما يستغرب منه. ومرد أغلب ذلك أنه لم يكن أحد من هؤلاء يشك في أن الحقائق في الدنيا نسبية متحولة.

ولربما لم يكن يعرف الكثير من هؤلاء الكثير من الحقائق الطبيعية التي عرفنا نحن اليوم، ولكنهم لو كانوا عرفوها لما غير ذلك إلاّ بعض الآراء في التفاسير في مسائل تتعلق بالطبيعة والاجتماع والسياسة.

إن مشكلة الحيرة والشك عند أجيال اليوم لا علاقة لها بأقوال قدماء المفسرين ولا بآرائهم، لا في الطبيعة ولا في الاجتماع ولا في اللاهوت. بل أغلبهم جاهل بها لم يفتح منها كتابا، ولا سمع لها خطابا، ولاقف منها على شيء. وإنما مردها إلى أمرين اثنين:

— أولا ما يسمعون وما يقرأون. إن أغلب شباب اليوم من الشاكين والملحدين هم أناس من خارج حقول المعرفة الحقيقية، وفي الأغلب من حقول هوامش المعرفة أو من خارج دائرتها إطلاقا. فأغلب من يشك من أبناء المسلمين هم أناس معظم استهلاكم من القصص والتعاليق الأدبية المنبتة عن سياقاتها، ومن الأفلام التافهة، والمسلسلات المبتذلة. وأغلب هؤلاء لم يسبق هذه التفهاهات إلى قلوبهم كلام الله، ولا كلام نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا رفيع الأدب، ولا حقيق العلم.

فقلة من بين نخب المهندسين المسلمين (وأقصد من تربى في بيت مسلم ثم صار مهندسا)من يشك في الله، وقلة من علماء الأحياء المسلمين من يواجه أمواجا من الحيرة ولججا من الشك. وقلة قليلة من علماء الفيزياء المسلمين من تجده يضرب رأسه على الجدار مضرجا بدمه مشغولا في نفسه لأن الطبري، أو القرطبي أو ابن كثير أو الزمخشري، أو غيرهم قال في القرآن قولا ناقض ما عرفه من الطبيعة.
لكنك تجد ساقطا من الثانوية، محدود الذكاء، ضعيف المدارك، صغير النفس، أوغل في دهاليز التفاهة ودروب الجهالة، وجد قولا لسكران من بلاد الإفرنج في موضوع لا يعرف ما هو، فصادف هوى في نفسه المظلمة، فبدأ يبحث عن أقوال قوم عاشوا عشرات القرون قبله ليظهر عجزهم عن فهم ما رآه، ثم لأنهم كانوا يدعون إلى الله، صار عجزهم عن فهم ما سمع أو رأى مدعاة لشكه هو في الله الذي لم يعرف أصلا. أو لربما صادف بعض هؤلاء القوم في تسكعه بين دروب التيه كلاما لبعض أعداء المسلمين، ممن يتكلم لغتهم، فأشرب عقله تلك الشبه ولصقت به فصار بوقا لأعدائه (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم). وإن أصل الداء في هذه في الحالة الثانية التي أبينها.

–العقيدة العلمية التي ينشأون عليها: وإنها عقيدة فاسدة خلاف العقيدة وخلاف العلم. إن الكثير من أبناء عصرنا يفتحون عيونهم على أن الدين والعلم نقيضان، وأن كشوف العلم هي بالضرورة لمواجهة ومجابهة وتقزيم الدين، وأن جهل علماء الدين ببعض مظاهر الطبيعة دليل على فساد وكساد بضاعتهم. وترتبط بهذه العقيدة عقيدة أتفه منها، وهي أن الحقائق والملاحظات والفرضيات والنظريات العلمية وحيدة التفسير، منتهية الأمر، لا رجعة فيما قيل فيها أو ما كتب عنها أو ما جرب منها، وأن الطبيعة كلها من البساطة والسهولة بحيث تكون حقائق العلم ليست رهينة بمستوى الفهم ولا مستوى الآلة ولا بصناعة المكان المخبري. وينجر عن هذه العقيدة عقيدة جزئية أخرى أتفه وأسخف، وهي أن من دخل من العلماء حقل التجارب انتهى أصله، وماتت عقائده، وهوى هواه، وانتفت بشريته.

إن القرآن الكريم العظيم لا يزال بنصه موجودا بين ظهرانينا ولا تزال تفاسيره تزداد وتتسع ولم يقل أحد من المسلمين أنه يحرم على جيل منهم تفسيره أو النظر فيه. وإنما الخلاف على الأهلية. فمن لم يعجبه تفسير من التفاسير فليتعلم القرآن ولغته، والإسلام وعقيدته، والمفسرين وكلامهم، وردودهم، وليرد هو منها ما يراه مردودا.

زر الذهاب إلى الأعلى