الهبّة المصرية وتبدد الثورة المضادة/إبراهيم الدويري

لم تكن الهبّة التي قامها الشعب المصري قبل أيام في عدة محافظات حدثًا عاديًا رغم تعود العرب منذ نهاية 2010 على الاحتجاجات والمظاهرات، بل وإسقاط الطغاة وسجنهم وقتلهم.
فمصر التي اجتمع مجرمو العساكر والأعراب والأغراب والصهاينة، وعلماء السلاطين، وأحبار الكنيسة، ومعاتيه الإعلاميين، وأدعياء الفن، والحداثويون الحزانى، على وأد ثورتها العظيمة، نفضت غبار السنين العجاف في طرفة عين، وقالت لـ”كنز إسرائيل الاستراتيجي” لا. ونادت بأعلى صوتها بضرورة “رحيل السيسي”.
لقد سقط السيسي سياسيًا وأخلاقيًا منذ اختار سفك الدماء طريقًا لمكان أكبر منه، ومكانة لا يستحقها. لكن ثمة أدوات أخرى كانت طيلة هذه السنوات تكثف جهودها من أجل الحيلولة بين الشعب المصري واستعادة كرامته، وهي التي سقطت أخيرًا، وتبددت جهودها بكل سردياتها ودعاياتها، وتأويلاتها الدينية الرجعية، وأسلحتها الفتاكة، وأموالها القارونية.
سنوات ست عجاف من سني يوسف، أنفق فيها عرَّابو الثورة المضادة في الإمارات والسعودية مليارات من قوت شعوبهم لوأد أحلام المصريين وآمالهم في التحرر، وذهب جلها لجيوب ضباط الهزائم، وسُخر الباقي لقتل المسلمين العزل في ميادين الكرامة ومحاريب المساجد، وملء السجون بالأحرار، وهتك أعراض الحرائر، وسفك دماء بعضهن، وتشريد الأباة الذين ضاق بهم برّ وبحر مصر بما رحبا. تلك المليارات التي ظن منفقوها أنها أدت ما أنفقت لأجله هي أول ما بدده المصريون في قومتهم العظيمة. ولمنفقيها الحسرة ثم الغلبة.
بعد مليارات الدولار ثمة آلاف الساعات التي قضاها عرابو الثورة المضادة بتخطيط صهيوني، وإشراف دحلاني، ورعاية ظبيانية، وتنفيذ عربي أمني مشترك، لكتم أنفاس الشعب المصري، وتعذيب أحراره في السجون، وملاحقة طلابه في الجامعات والمنافي، لقتل أشواقه إلى الحرية، ونيل حقوقه، وكانت تلك الساعات الكئيبة والمخططات الخبيثة ثاني ما تبدد، وصار كأمس الدابر، بفضل أحرار الكنانة في هبتهم الكريمة، وقد عبر المعلقون الصهاينة عن انزعاجهم وأسفهم الشديدين من ذلك التبدد السريع، وضياع كنزهم الاستراتيجي.
لم تكن الثورات المضادة أموالًا قارونية فقط ولا مخططات أمنية فحسب، بل صحبتها دعوة لتدين عجيب في ثوب تخذيل. أقصد ذلك التديّن السياسي الذي يجمع بين الدعوة السكونية في جبهة، وحمل السلاح في جبهات أخرى. فهناك دعوة لـ”لاستسلام العدمي”، و”السلام الوهمي” يدعو لهما مفتي الإمارات الشيخ بن بيه -شفاه الله- من خلال هيئتي “مجلس حكماء المسلمين” و”منتدى تعزيز السلم”، وهناك على الضفة الأخرى دموية يتقدمها هاني بن بريك في اليمن، وكتيبة التوحيد المدخلية، الذراع الدموي الديني للمخذول حفتر، في ليبيا.
إن المتابع لتجليات الثورة المضادة ونشاطاتها المكثفة في السنوات الكالحة الماضية لا بد أن يستوقفه ذانك المشهدان المتناقضان:
الأول: ذلك الشباب المسلم الذي يُحشر كل عام من أنحاء العالم الإسلامي إلى أبي ظبي أو أي مكان آخر حسب مزاج ابن زايد، فتتلى على مسامعه آيات من كتاب “إطفاء الحرائق” التي يشعلها المستضيف نفسه، وتقدم له رقائق صوفية ناعمة مغلفة بظروف من الدرهم الإماراتي، ومرطبة بمدامع علي الجفري، ومبللة بدماء الشهداء وآهات المغتصبات، وأنات الجرحى في اليمن ومصر وليبيا وسوريا وكشمير.
أما المشهد الثاني: فهو أولئك الشباب الملتحون الشرسون الذين لا يتورعون عن سفك أي دم مسلم، وهم ثمرة المشروع الاستخباراتي الوحيد الذي نجحت فيه وزارة الداخلية السعودية. ولما وقف على سوقه، واستوى قطفت أبوظبي ثمرته. ولا غرابة أن تتحول سلفية طاعة ولي الأمر أو فرقة المدخلية الجامية، من مرجئة غلاة إلى خوارج متطرفين حسب أمزجة “ولاة الأمر”، فما ذاك بغريب في مسارات “موظفي وزارات الداخلية العربية وأجنحتها الدينية”.
فرجل ابن زايد في اليمن الجامي هاني بن بريك متهم شخصيًا بالوقوف وراء اغتيالات سياسية لأكثر من 120 مواطنًا يمنيًا بينهم خطباء مساجد وضباط وشخصيات شخصيات اجتماعية بين عامي 2015-2018م، ولا تسل عن جرائم ضابط الإعدامات في ليبيا محمود الورفلي المدخلي، ومطالبة محكمة الجنايات الدولية به. غير أن ساحات العرب الآن تشهد أن الجانب الديني الإطفائي الناعم وجانب الحرائق الخشن في الثورة المضادة، لم يجديا نفعًا، بل سقطا، وداس عليهما الجزائريون والسودانيون.. ثم المصريون.
ومراكز البحث الممولة من رعاة الثورة المضادة التي شهدت نموًا ونشاطًا كبيرين في سنوات الظلم والتيه الفارطة، ووحدت جهودها لتزييف الوعي، وبث الشبه الدينية، ونشر الانحراف الفكري، كلها قد تبدد جهدها، وكسدت تنظيراتها الباهتة، وثانيها بعد المسبار “مركز مؤمنون بلا حدود”، وهو مركز هرطقة وأقوال مكررة، وتحليلات استشراقية معادة.
وقد كفى الله المؤمنين شرّه بسبب مقاطعة المثقفين والفلاسفة الجادين لأنشطته المشبوهة، ثم بفضيحة أمينه العام يونس قنديل في نوفمبر 2018. وقد سقط أيضًا أمين المكتبات فيه – السيد ولد اباه- ذلك المثقف الذي لم يكن يملك رصيدًا غير الحربائية الفكرية. فلم يدفع ضريبة موقف يومًا، ولا قال كلمة واحدة طيلة حياته مناصرة لمظلوم في بلده، ثم أرغمته الثورة المضادة أخيرًا بمواقف حادة فانخرط في مديحيات ممجوجة لابن سلمان وبن زايد.
لست غافلًا عن فشل المؤسسات الإعلامية للثورة المضادة وجهدها المتبدد رغم كثرة الإنفاق عليها، لكن اعتراف الدكتور عبدالله عبد الخالق وغيره بذلك عدة يكفي من الخوض في ذلك. تلك مراكز وتنظيرات الثورة المضادة التي أشبعت الشعوب قتلا وتشريدا وسجنا تعود بـ”خفي حنين” و”ندامة الكسعي”، وليس أمام الشعوب العربية إلا أن تستكمل ثورتها مستفيدة من أخطاء الماضي، وعلى الله قصد السبيل.