جنود الله /د. محمد محمود الصديق

خَلق الخلق، وهو مسيَّر بتصريفه وموجَّه بتقديره؛ ومن تصريفه أن يُرسل بعض خلقه على بعض؛ عقبا لهم حينا، ونَصرا لهم حينا آخر. فجنودُ الله أحيانا يأتون عقابا وعذابا ، وأحيانا يأتون نُصرة وإنقاذا.
وقد جاء ذكر (جنود الله) بصيغة الاجمال والابهام في القرآن في مواضع:
- ثم أنزَل اللَّه سَكينَتَه على رَسوله وَعلى المؤمنين وَأَنْزَلَ جنودا لم تَرَوْهَا.
- يا أيها الذين آمنوا اذْكُروا نِعمَةَ الله عليكم إِذْ جاءَتْكم جنود فأَرسلنا عليهم ريحا وجُنُودا لم تَرَوْها.
- ولله جُنودُ السماوات وَالْأَرض.
- وما يَعْلمُ جنودَ ربك إِلَّا هو.
- وله ما سَكَن في الليل والنهار وهو السميع العليم.
وتتنوع جنود الله بتنوع مخلوقاته المعلومة والمجهولة، والتي يمكن (تجنيدها) جميعا وتوظيفُها لتنفيذ أمر من أوامر الله، أو قضاءٍ من قضائه؛ نصرةً ومؤازرة ، أو عقابا وإهلاكا.
وعبْر وقائع التاريخ وحوادث السنين، عَرفت البشرية من أمثلة (تجنيد) الله لبعض مخلوقاته، وتوظيفِه لبعض جنوده – حسب ما قصه علينا القرآن – ما يأتي بيانُ بعض من أمثلته ونماذجِه:
1) الملائكة: أُرسٍلت بالعقاب على قوم لوط، حيث اقتلعتهم بقُراهم وصَعدت بهم الى السماء، ثم اكفأتها بهم نحو الارض جاعلةً عاليَها سافلها . كما أُرسلت بالمؤازرة والنصر للمسلمين في يوم بدر: (اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين).
2) الإنسان: فيرسِل الله بعض مخلوقاته من بني الإنسان على بعض، عقابا لهم حينا، ومؤازرة لهم حينا آخر. ومن أمثلة الحالة الثانية: تدخل الخَضِر لصالح ولَد الرجل الصالح، ولصالح أصحاب السفينة، وإغاثةِ السيارة ليوسف: (فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشراي هذا غلام). ومن امثلة ارساله بالعقاب: ما نلاحظه في واقع البشرية عبر تاريخها من تحقّقٍ لِمقتضى قوله تعالى: (ويُذيق بعضَكم بأسَ بعض).
3) الجن: كانت مُسخّرة لسليمان ومن سر قوة ملكه (يبنون له ما يشاء من محاريب وتماثيل..)، (وحُشر لسليمان جنودُه من الجن والإنس والطير).
4) الحيوان والسباع: ولم اتذكر لها في القرآن مثالا، وأمثلتُها في السيَر والسُنن عديدة. ولعل مز أمثلته في القرآن توظيفُ الحوت لغرضيْ الإنقاذ والعقاب معا في قصة رسول الله يونس عليه السلام: (فالتقمه الحوت وهو مُليم).
5) الحشرات والهوام: (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع..)، (ما دَلَّهٌم على موته إلا دابةُ الأرض تأكل مِنساتَه)، (وإن يَسلُبْهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه).
6) الطيور: (وأرسَل عليهم طيرا أبابيل تَرميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول).
7) الماء/ المطر: أُرسِل بالعقاب على قوم نوح، وعلى أصحاب سبإ (سيل العَرِم). وبالرحمة والتأييد لقوم بدر: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ).
8) القحط والسنون ونقصُ الثمرات والمؤونة: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقصٍ من الثمرات لعلهم يَذّكّرون)، (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيل).
9) الصواعق: (ويرسِل الصواعق فيُصيب بها من يشاء).
10) الرياح: أرسلت بالعقاب على قوم عاد، حيث استمرت عليهم سبعَ ليال وثمانية أيام حسوما. وفي يوم الأحزاب: (ريحا وجنودا لم تروها) . وكانت من الجنود المسخرة لسليمان (تًجري بأمره رخاء حيث أصاب).
11) النار: أُرسلت على أصحاب المزرعة الذين أقسَموا ليَصْرِمُنّه مُصبحين ولا يَستَثنون، (فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون). كما أرسلت على مزرعة الرجل الطاغية الذي دخلها وهو ظالم لنفسه، فقال ما أظن أنتبيد هذه أبدا.. (وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها).
12) الصوت الشديد (الصيحة): أُهلِك بها قومُ ثمود، وأصحابُ القرية: (إنْ كانت الا صيحةً واحدة فاذاهم خامدون).
13) النوم والنعاس: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ)،
(ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ)
14) الرعب والخوف: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرعب)، (وقذف في قوبهم الرعب).
15) السكينة والطمأنينة: (فأنزل الله سكينته عليه) ، (هو الذي انزل السكينة في قلوب للمؤمنين).
16) البركة: (وبارك فيها) ، (إلى القرى التي باركنا فيها)، (إلى المسجدِ الأقصى الذي باركنا حوله).
17) الفيروسات والكائنات الخفية الدقيقة، وعومُ مُسبِّبات الأمراض النفسية والعضوية، مثل: العين، والسحر، والشياطين.. على نحو ما تضمنته المعوذتان: (قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق..)، (قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس..). وفي بعض الأحاديث الصحيحة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من شَرِّ ما خَلَق وذَرَأ وبَرأ، ومن شرِّ كل شيء هو آخِذٌ بناصيتِه.. وكان يعوذ به ابنيه الحسن والحسين بقوله: (أُعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامّة).
هذا، ولعل في هذا ما يدعوا للعبرة والخوفِ من الله والإنابةِ إليه، وألتمس ممن يَستحضر أمثلة أخرى لِمرسَلَات جنود الله أن يُفيدني بها.