أبناء الحقول والرمال!/خالد الفاظل

عندما وصلت إلى مدينة نواذيبُ تحولت إلى دلفين خامل أفتح عينا وأغمض أخرى، طقس المدينة والبيوت الضيقة النوافذ يشجعان على مزاولة النوم. بطبيعتي النهارية لا أجيد النوم مطولا بعد بزوغ الصباح. فقررت زيارة البحر كل مساء حتى يخبرني ببعض أسرار المدينة، البحر كان كتوما جدا، كأن الصينيين والأتراك الذين يمارسون صيد الأعماق فيه؛ وضعوا شريطا لاصقا على شفتيه حتى لا يتمكن من طلب النجدة. شعرت بأنه يومئ بنظراته ناحية الأعماق كأنه يريد أن يخبرني بسر ما، لكنني كنت حذرا من الاقتراب من أمواجه؛ حتى لا تتبلل ثيابي أو تنزلق قدمي خلسة عن الصخور وأغرق، فيشاع بأنني انتحرت والحقيقة أنني لم أجد أحدا ينقذني. فمعظم المتواجدين عادة قرب الشاطئ لا يجيدون السباحة ضد التيار، إنهم أبناء الرمال ويخافون من البحر. لقد تعلمت الطفو على الماء دون الهبوط نحو الأعماق بين أمواج البحر الأبيض المتوسط لكنني لن أجازف وأجرب ذلك في المحيط، لا أرغب أن أموت قبل أن أنجز شيئا مهما في هذه الحياة القصيرة، كأن أصطاد سمكة مثلا. فضلت التجوال بقرب شواطئ كانصادو على شواطئ غريمه التقليدي كابانو لوجود نقل مباشر إلى كانصادو، ولوجود سكة القطار دونه ولوجود الموانئ وأسواق الغيران وأسوار شركة بولي هوندون التي يمكنك أن تبصر فيها الصينيين وهم من كل حدب ينسلون..
يبدو أن الجلوس مطولا قبالة رذاذ الموج أصابني بزكام مزمن أفقدني حاسة الشم. اكتشفت ذلك عندما تبضعت داخل محل للملابس المستعملة بغية اقتناء ثياب أوروبية الأصول تصلح للعرض الشتوي أمام السبورة مع اقتراب الافتتاح المدرسي وقد تأخر عن موعده السنوي بسبعة أيام في انتظار المخاض العسير الذي ستخرج من رحمه المدرسة الجمهورية كما وعد بها الرئيس الصموت جدا كشواطئ نواذيبُ. عندما لم يلتقط أنفي الرائحة المميزة في محلات (رباخا) أيقنت أني أصبت بزكام لم يأتي في وقته المناسب. فأكثر حاسة استخدمها في الكتابة هي حاسة الشم. وعليه؛ فسيكون النص عديم الرائحة، ومن شم فيه رائحة ما فعليه فقط التأكد من غلق انبوبة الغاز ومن خلو الشوارع المحيطة بمنزله من القمامة. أما إذا وجدتم رائحة بنكهة عطر (نيفايا) فذلك عطري المفضل رغم أنه سعره لا يتجاوز ثلاثة دولارات، إنه عطر مسالم ولا يذهب بعيدا، لذلك لا أتوقع أن تصلكم رائحته..
بعيدا عن أناقة الشواطئ والمناخ البارد الحالم، والطيور المحلقة في سماء اختلطت زرقتها بزرقة المحيط مشكلة معه أفقا يمتلئ عند كل مساء بضباب فضي يبتلع ملامح السفن الأجنبية بجعلها غامضة التفاصيل مثل قصص غير مترجمة. بعيدا عن الأمواج الوادعة وهي تتكسر ببرودة أعصاب على صخور كلسية اخضر أديمها بلون الطحالب البحرية والتي لم تتوقف أصابعها منذ ملايين السنين عن صفع اليابسة حتى رسمت على تقاسيمها أخاديد ملتوية تحولت إلى مغارات صغيرة أتخذها المصطافون والخلان وصائدو الأسماك أوكارا دافئة تحميهم من رذاذ الأمواج الباردة ومن الرياح العنيفة التي تحمل الحصى المنزوع من الصحراء لترشق به المحيط الأطلسي دون أن يشعر الأخير بارتطامه بقاعه ولا بقدم اليابسة الذي اندفع فيه ذات عصر جيولوجي قديم مشكلا منطقة داخلت نواذيبُ التي حفتها الأمواج وأوشكت بأن تتحول إلى جزيرة، بيد أنها عندما حدقت مليا ناحية المستقبل البعيد لمحت دولة من الرمال تتشكل ظلالها بصعوبة بالغة فشعرت حيالها بالشفقة؛ فقالت: لا يمكنني الانفصال عن اليابسة وترك أبناء الرمال الطيبين من دون مدينة ساحلية مندفعة في المحيط يطفئون في نسيمها البارد مشاعرهم المشمسة للغاية، لن أتركهم من دون ضفاف ملتوية يشيدون عليها كورنيشا وسلسة فنادق بدل خيام الوبر المقصوصة من ظهور الأنعام. إذا ابتعدت عن الملثمين الذين لم يتعلموا صناعة السفن؛ فسأكون كجزر الكناري والرأس الأخضر من نصيب المغامرين الذين تأملوا الفلك التي تجري في البحر بشغف متصاعد. حدث ذلك الحوار الجيولوجي بين المحيط واليابسة قبل هبوط آدم وحواء من الجنة، أقول ذلك؛ حتى لا يتهمني القراء بأنني أتحامل على حضارة أسلافنا بكل تشعباتهم الجينية من واد نون وحتى مدينة تمبكتو. أعتقد بأن تعابير الجيولوجيا سبقت وجود البشر والأوطان واكتشاف البوصلة. ونظرا أيضا لغياب الأمواج وزرقة البحر في مخيلة الشعراء الشعبيين؛ فقد واجهت مشقة في جعل أنغام التيدنيت رغم غزارة ألحانها تساير ارتطام الأمواج بالصخور؛ ولم أجد ما يناسب تلك اللحظة سوى أغنية إسبانية للعجوز خوليو، أحسست بأن ألحانها جعلت الأمواج ترتطم بجدران روحي، وليس ذلك استلابا حضاريا بقدر ماهو فلسفة موسيقية، واختلاف الأذواق لا ينقص أبدا من الاعتزاز بهويتنا المتحركة..
بعيدا عن حي دبي الذي يحاول أن يكون راقيا دون بقية أحياء المدينة التي طوقت نفسها بزرقة المحيط وخطوط السكة الحديدية التي يعبرها أطول قطارات العالم حاملا في عرباته المتثاقلة أطنانا من الحديد الخام والذي قالت عنه سيدة ركبت معي التكسي ناحية حي كانصادو؛ بأنه أصيب بالزهايمر وأصبح يتأخر عن موعده. بعيدا عن كل ذلك؛ الحديد والسمك والطقس الجميل سأحاول أن أضع السمك على الحروف والفكرة على السكة. سيكون هذا المقال كحيوان الأخطبوط؛ لديه ثلاثة قلوب وثمانية أذرع وكما تعلمون فإن حيوان الأخطبوط من فصيلة الرخويات ومن المعلوم بأنها بلا عظام، أي: ” مافيه لعظام “. وهو ما شجعني للحديث عنها؛ بوصفها المنعش الأبرز لسوق العاصمة الاقتصادية للبلاد، الذي جعلته الدولة منذ صيف 2013 منطقة حرة بغية انعاشها. لكن سعر الأخطبوط اليوم يقترب من سعر ديك محلي يتعرض للتسمين بأحد أعرشة الباعة وهو ما جعل السيولة النقدية تعيش حالة جزر محزنة يلاحظها بسهولة المتجول في المدينة.
بصفتي مجرد عابر وجميعنا عابرون على كل حال بغض النظر عن اختلاف عناوين المنشأ والأضرحة، ولست من سكان المدينة الماكثين فيها، سأكتفي برؤوس أقلام عن المدينة انطلاقا من مشاهدات عابرة. وسأترك التفاصيل لسكان المدينة فهم أدرى بأوجاعها التنموية..
بصفتي تلك؛ مجرد عابر أحب المدينة منذ النظرة الأولى منذ ما يناهز سبعة أعوام، والتي لم تتذمر هي الأخرى من قدومه إليها بإظهار الجفاء لجسده ورئته فيما يعرف عند السكان هنا بظاهرة (العزلان)، فطقس المدينة لديه مكتب لمنح التأشيرة شرطه الوحيد أن يستحم الزائر بعد دخول المدينة مما يوحي بأنها كانت ذات يوم نظيفة ولا تقبل إلا نظيفا ولم تعد كذلك للأسف، كما هو واضح من ملامح الشوارع الفرعية. حتى ولو كنت قادما من قرى الريف البعيدة، وترى المدينة لأول مرة فلن تبهرك أبدا واجهتها العمرانية، مدخل المدينة ليس جذابا. لا جسور ولا حدائق عامة ولا شوارع محفوفة بالأشجار. شواطئ المدينة قليلة المطاعم والفنادق وبلا كورنيش. في أحد مقاطع كابانو يوجد جسر خشبي وحيد أقدم من قفا نبك هو الخلفية الأفضل من أجل أخذ الصور العائلية. سكان المدينة يبتسمون بمشقة ربما لكون نكتة المنطقة الحرة لم تكن مثيرة للضحك. إنهم يجدون صعوبة في الحصول على أبسط الخدمات؛ الماء والكهرباء، توزعة المولدات الأخيرة في أحياء المدينة ساهمت في الحد من انقطاع التيار؛ بيد أنها خلقت تلوثا سمعيا يضاهي تقريبا تلوث الهواء الذي تسببت فيه مصانع موكا سابقا. ما يسمى بالطبقة الوسطى في تراجع ملحوظ. هناك ثراء فاحش ومحدود جدا وفقر في حالة تضخم مستمر. لا أحب أبدا تهويل الأمور لكن سكان المدينة يقولون هذا في معظم أحاديثيهم الجانبية. تقوله ملامحهم ومنازلهم وسياراتهم ومحلاتهم ومطاعمهم. حتى إن الجلوس على جادة أفخم شارع في دبي واحتساء القهوة قرب مجمع (بون شوا) لا يجعلك مطلقا تغرق في الأضواء وتحس بالرقي الذي تتمناه لهذه المدينة الباردة والرائعة جدا. حي كانصادو الذي يقطنه عمال شركة المناجم يشبه حراس البنوك لا يغير الروتين، نفس الملامح التي كان عليها منذ سبعة سنوات حينما رأيته أول مرة. باستثناء الشوارع المعبدة التي فكت العزلة عن شواطئ كابانو، وامتداد العمران في منطقة مدريد، ومستشفى كوبا الرمادي، لم أشاهد الكثير من التطاول في العمران أضافته المنطقة الحرة للعاصمة الاقتصادية، حتى المستثمرون الأجانب لم أرهم تدفقوا بغزارة على المدينة باستثناء السفن ذات الشباك الضيقة العيون، والتي أخشى أن تحول بحرنا إلا مسبح لا يصلح إلا للعوم والاستجمام، هذا إن سلم من التلوث البيئي ونفوق الأمواج المنعشة. لا توجد بداخل المدينة جامعة عصرية باستثناء معهد للغات قيد التشكل. كما لا توجد ملاعب ضخمة تتسع لعشرات الآلاف، ولا مكتبات فخمة تتسع لمئات القراء. على كل حال المدينة تستحق أفضل مما هي عليه الآن، كما أن سكانها من أكثر أبناء الرمال احتراما لقواعد المرور ربما لكثرة مدارس تعليم السياقة فيها، ومن أكثرهم أيضا فاعلية اقتصادية ووعيا ومواكبة لقيم التمدن. ينقصهم فقط وجود حكومة صالحة لا تترك بحرهم عرضة لأسماك القرش المحلية والأجنبية وعندما تقوم بذلك فعلا مع تعمير مستدام؛ فأعدهم بأن مدنا سياحية عديدة ستشعر بالغيرة من المدينة..
هنا نواذيبُ. الساعة 20:45 وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

زر الذهاب إلى الأعلى